الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى

مقدمة 43

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز

ولعل هذا ما يشير إلى قوة تأثير التراث السردى العربي في تقنيات كتابة الطهطاوي السيرة النبوية . وتمثل تقنية الاستطراد التعليمي المباشر تقنية متواترة بكثرة وفي مواضع مختلفة من نص الطهطاوي ( 64 ) ، وبقدر ما يمثل بروزها لديه تجديدا في نمط كتابة السيرة الموجزة أو المختصرة ؛ إذ لم يلجأ إليه ابن عبد البر أو ابن حزم ، فإن استخدامها يشير إلى متابعة الطهطاوي ما استقر في متون شرح السيرة النبوية من العروج إلى قضايا ومسائل دينية وأخلاقية وكلامية وتاريخية ولغوية وأدبية مختلفة يرى الشارح أنها ذات صلة بوقائع السيرة النبوية . ويختلف نمط هذه التقنية عن نمط تقنية الاستطراد السردى في كون الاستطراد السردى غالبا ما كان يقوم على صياغة الطهطاوي الوقائع بلغته هو ( وإن استعان أيضا بالآيات القرآنيّة والأحاديث النبوية ) ، بينما غلب على الاستطراد التعليمي المباشر أن يكون نقلا أو تلخيصا لمرويات وكتابات من مصادر سابقة على الطهطاوي ، كان الطهطاوي يتصور أن ما قدمته مفيد للمتلقى الّذي يتوجه إليه . وتتسم بعض نماذج هذه الاستطرادات بالطول حتّى أن الواحد منها قد يستغرق فصلا كاملا أو ما يقل عنه بقليل ، على نحو ما يبدو في الاستطراد الخاص بمسألة الاحتفال بالمولد النبوي الّذي يتمثل في مجموعة من النصوص المنقولة عن مصادر فقهية وتشريعية وغيرها ( 65 ) . ومن اللافت أن ذلك النموذج يمثل قطعا ممتدا ومطولا في مسار الوقائع التي يقدمها الراوي ، كما يغيب فترة من حياة النبي ( ص ) ؛ إذ انتهى الطهطاوي في الفقرة السابقة عليه إلى قص وقائع حياة النبي حتّى بلوغه السادسة ، بينما استأنف السرد - في نهاية هذا الاستطراد - وقد صار عمر النبي ( ص ) ثلاثة عشرة عاما . وبذلك أدى الاستطراد إلى قطع يتمثل في إسقاط أخبار ووقائع عدة سنوات من طفولة النبي ( ص ) . وقد تكررت الظاهرة نفسها في سرد الطهطاوي لوقائع الهجرة إلى الحبشة ( 66 ) . وتشكل الاستطرادات المختلفة الناتجة عن حادثة الإسراء والمعراج نموذجا اخر دالا