الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى

مقدمة 34

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز

العصرية " ، ومن اللافت أن الطهطاوي في مقدمة ترجمته تلك يمدح النبي " ص " بأنه ( خير من اختص بالقصص والنبأ ، وأنبأ عن قصة بلقيس وسبأ ، ولم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها من أخبار العرب والعجم ) ( 35 ) . ولقد قرن الطهطاوي رواية " تليماك " ببعض الأشكال السردية العربية الوسيطة ، فتليماك - كما يراها الطهطاوي - موضوعة ( على هيئة المقامات الحريرية في صورة مقالات ) ( 36 ) ، كما أطلق الطهطاوي مصطلح " قصة " على بعض السير الشعبية العربية ، ثم فضل رواية تليماك عليها وعلى بعض الأشكال السردية العربية الأخرى كألف ليلة وليلة ؛ إذ يقرر ( وأين منها ( أي من تليماك ) عند القوم ألف ليلة وليلة وألف يوم ويوم ، وهل تقاس بها قصة ذي يزن أو عنتر ، فكيف وموضوعهما أقطع أبتر ، فقد اشتهرت هذه المقالات بين الملل والأمم اشتهار نار على علم وترجمت بفصاحتها الركبان في سائر الجهات لما اشتملت عليه من المعاني الحسنة مما هو نصائح للسلاطين والملوك وبها لسائر الناس تحسين السلوك تارة بالتصريح والتوضيح وأخرى بالرمز والتلويح ) ( 37 ) . ولما كان الطهطاوي بترجمته رواية " تليماك " يقدم نصّا يقوم على استلهام أصل أسطورى فقد توقف أمام مصطلحى الأسطورة والأساطير ؛ إذ قدم - في ديباجة ترجمته - تعريفا بتليماك وعرّف بأصله الأسطوري ، ونصّ على أنه يستقى معلوماته من ( كتب الخرافات اليونانية ) ( 38 ) . وفي ضوء ذلك حاول أن يبرر ميلاد تليماك من مواقعة المشترى للكمينة زوجة انفتريون ، وسعى إلى تقريب هذا إلى ذهن المتلقى العربي بتقديمه عدة أخبار من التراث العربي تتحدث عن زواج الأنس بالجان أو الأنس بالملائكة ( 39 ) . وفي هذا ما يشير إلى أن الطهطاوي قد أدرك أن الأسطورة شكل سردى يقوم على مجموعة من الأخبار التي تحوى أفعالا خارقة أو مجاوزة للمألوف ، من ناحية ، كما أنها - من ناحية ثانية - تجسيد لعقيدة جماعة معينة ، ولكنها يمكن - من ناحية ثالثة - أن توظف لأهداف تعليمية أو أخلاقية . وفي ضوء ذلك يتبدى وصفه للأدب اليوناني بأنه مبنى ( على إفراط العبارة ) في الاعتماد على الأساطير مؤكدا أنه ( لما كان الفرنج يحذون في آدابهم حذو اليونان اتخذوا الخرافات اليونانية قدوة في ذلك وألفوا فيها تاليف تسمى المثيولوجيا ووقائع تليماك مشحونة بهذه الأشياء ) ( 40 ) .