الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى
مقدمة 12
نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز
عزيزي القارئ . . . ذلك هو الدرس الّذي تعلمناه من الرسول ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) درس في أدب الاختلاف ولغته . . كيف تستمع لخصمك ، وتفسح له صدرك وتمنحه فرصة التعبير عن رأيه وشرح موقفه ، وبعد ذلك يكون من حقك الردّ ، والردّ هنا بمعنيين : الجواب ، والرفض ، وأبعد درجات الرفض هو شعار ( لكم دينكم ولى دين ) ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ، دون عداء ، هذا الدرس بسطه القرآن الكريم - كما سبق أن رأينا - وعرفه العرب في بعض أشعارهم - وطبقه الرسول ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) أحسن تطبيق ، وكان ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) أحفظ له وأكثر عملا به من هؤلاء الذين صدّعوا رؤوسنا بالكلام عن الحرّية والمساواة والعدالة و . . . و . . . إلخ وكنا نظن أنه قد جاء الوقت لتؤتى هذه الدعاوى ثمارها لينعم الإنسان بتأمل نفسه وما حوله ويملأ رئتيه من نسائم السلام والمحبّة ، ولكن سرعان ما طلع علينا من يقول إنه سيشعلها حربا صليبية جديدة من جهة ، ومن يدير أسطوانة مشروخة في الهجوم على ديانات الآخرين ورموزها من جهة ثانية ، مع إصرار عنيد وغبىّ على أن ما يقولونه وما يسعون إليه هو المساواة والمحبة والسلام والعدل . وأنه الطريق إلى مصلحة الشعوب ورخائها . ويعجب المتأمل من درجة التناقض بين الأقوال والأقوال ، وكذلك بين الأقوال والأفعال . . . فالاحتلال أصبح يسمى تحريرا ، وتدمير الشعوب : الأرض والديار والبشر - أصبح يسمّى خلاصا ، وامتلاك أعنى الأسلحة وأكثرها فتكا واستخدامها عند اللزوم ، وتحريم ذلك على الآخرين يسمى عدالة ومحافظة على السلام ! ! . وهكذا . . . عزيزي القارئ . . . كنا قد اخترنا أن يكون كتاب الذخائر هو ( نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز ) الّذي كتبه الطهطاوي بمناسبة شهر رمضان ، وجاءت المهاترات الأخيرة في التطاول على شخص الرسول ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) ودعوته فأكدت سلامة اختيارنا .