الشيخ عباس القمي

600

نفس المهموم في مصيبة سيدنا الحسين المظلوم ( يليه نفثة المصدور فيما يتجدد به حزن العاشور )

تنازع الخرصان أشلاءهم « 1 » * فكلهم أمسى صريعا طعين يا ليت شعري أكما أخبروا * بأن عباسا قطيع اليمين « 2 » التهاب نيران الأحزان بذكر رثاء فاطمة عليها السلام لأبيها سيد الانس والجان أقول : إني لما ذكرت رثاء أم البنين رأيت أن أذكر ما رثت به فاطمة عليها السلام أباها بعد أن نذكر نبذا من حزنها وبكائها . اعلم أنه لما قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله صارت المدينة ضجة واحدة فلم يكن الا باك وباكية ونادب ونادبة ، وعظم رزؤه على أهل بيته الطيبين سيما علي ابن عمه وأخيه أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه ، فنزل به من وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ما لم يكن يظن الجبال لو حملته كانت تنهض به ، ولم يكن في أهل بيته أشد حزنا من سيدتنا المظلومة فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها ، فقد دخل عليها من الحزن ما لم يعلمه الا اللّه عز وجل ، وكان حزنها يتجدد وبكاؤها يشتد فلا يهدأ لها أنين ولا يسكن منها الحنين ، وكل يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأول . فقالت ذات يوم : إني أشتهي أن أسمع صوت مؤذن أبي بالأذان ، فبلغ ذلك بلالا ، وكان امتنع من الأذان بعد النبي صلى اللّه عليه وآله ، فأخذ في الأذان فلما قال « اللّه أكبر اللّه أكبر » ذكرت عليها السلام أباها وأيامه فلم تتمالك من البكاء فلما بلغ إلى قوله « أشهد أن محمدا رسول اللّه » شهقت فاطمة صلوات اللّه عليها وسقطت لوجهها وغشي عليها ، فقال الناس لبلال : أمسك يا بلال فقد فارقت ابنة رسول اللّه الدنيا ، وظنوا أنها قد ماتت ، فقطع أذانه ولم يتمه ، فأفاقت فاطمة عليها السلام فسألته أن يتم الأذان فلم يفعل وقال لها : يا سيدة النسوان إني أخشى عليك مما تنزلينه بنفسك إذا سمعت صوتي بالأذان ، فأعفته عن ذلك « 3 » .

--> ( 1 ) خرصان جمع خرص أي السنان وأشلاء جمع شلو اي العضو والجسد من كل شيء « منه » . ( 2 ) ابصار العين 31 . ( 3 ) البحار 43 / 157 ، الفقيه 1 / 297 ، طبع مكتبة الصدوق .