العلامة المجلسي
124
بحار الأنوار
ومنها أن يكون ناقضا للعادة لأنه لو فعل معتادا لم يدل على صدقه ، كطلوع الشمس من المشرق . ومنها أن يحدث عقيب دعوى المدعي أو جاريا مجرى ذلك . والذي يجري مجراه أن يدعي النبوة ويظهر عليه معجزا ، ثم يشيع دعواه في الناس ثم يظهر معجز من غير تجديد دعوى لذلك ، لأنه إذا لم يظهر كذلك لم يعلم تعلقه بالدعوى فلا يعلم أنه تصديق له في دعواه . ومنها أن يظهر ذلك في زمان التكليف لان أشراط الساعة ينتقض بها عادته تعالى ، ولا يدل على صدق مدع . ثم إن القرآن معجز ، لأنه صلى الله عليه وآله تحدى العرب بمثله وهم النهاية في البلاغة ، وتوفرت دواعيهم إلى الاتيان بما تحداهم به ، ولم يكن لهم صارف عنه ولا مانع منه ، ولم يأتوا به ، فعلمنا أنهم عجزوا عن الاتيان بمثله . وإنما قلنا إنه عليه السلام صلى الله عليه وآله تحداهم به لان القرآن نفسه يتضمن التحدي كقوله تعالى : " فأتوا بسورة من مثله " ومعلوم أن العرب في زمانه وبعده كانوا يتبارون بالبلاغة ، ويفخرون بالفصاحة ، وكانت لهم مجامع يعرضون فيها شعرهم ، وحضر زمانه من يعد في الطبقة الأولى كالأعشى ولبيد وطرفة ، وزمانه أوسط الأزمنة في استعمال المستأنس من كلام العرب دون الغريب الوحشي الثقيل على اللسان فصح أنهم كانوا الغاية في الفصاحة ، وإنما قلنا اشتدت دواعيهم إلى الاتيان بمثله فإنه تحداهم ثم قرعهم بالعجز عنه ، بقوله تعالى : " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " وقوله تعالى : " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا " . فان قيل : لعل صارفهم هو قلة احتفالهم به أو بالقرآن لانحطاطه في البلاغة قلنا لا شبهة أنه صلى الله عليه وآله كان من أوسطهم في النسب [ وفي الخصال المحمودة ] حتى سموه الأمين ، الصدوق ، وكيف لا يحتفلون به وهم كانوا يستعظمون القرآن حتى شهروه بالسحر ، ومنعوا الناس من استماعه ، لئلا يأخذ بمجامع قلوب السامعين ، فكيف