لبيب بيضون
493
موسوعة كربلاء
وقد أردت أن آتيه بهدية ، فسألت من أصحابه : أي شيء أحب إليه من الهدايا ؟ . فقالوا : الطّيب أحبّ إليه من كل شيء ، وأن له رغبة فيه . قال : فحملت من المسك فارتين ، وقدرا من العنبر الأشهب ، وجئت بها إليه ، وهو يومئذ في بيت زوجته أم سلمة رضي اللّه عنها . فلما شاهدت جماله ازداد لعيني من لقائه نورا ساطعا ، وزادني منه سرور ، وقد تعلّق قلبي بمحبته . فسلّمت عليه ووضعت العطر بين يديه . فقال : ما هذا ؟ . قلت : هدية محقّرة أتيت بها إلى حضرتك . فقال لي : ما اسمك ؟ . فقلت : اسمي عبد الشمس . فقال لي : بدّل اسمك ، فإني أسمّيك ( عبد الوهاب ) . إن قبلت مني الإسلام ، قبلت منك الهدية . قال : فنظرته وتأملته ، فعلمت أنه نبي ، وهو النبي الّذي أخبرنا عنه عيسى عليه السّلام حيث قال : ( إني مبشّر لكم برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ) . فاعتقدت ذلك ، وأسلمت على يده في تلك الساعة . ورجعت إلى الروم ، وأنا أخفي الإسلام . ولي مدة من السنين ، وأنا مسلم مع خمس من البنين وأربع من البنات . وأنا اليوم وزير ملك الروم ، وليس لأحد من النصارى اطّلاع على حالنا . - وزير ملك الروم يقصّ ليزيد ما رآه في حضرة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : واعلم يا يزيد أني يوم كنت في حضرة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو في بيت أم سلمة ، رأيت هذا العزيز الّذي رأسه وضع بين يديك مهينا حقيرا ، قد دخل على جده من باب الحجرة ، والنبي فاتح باعه ليتناوله ، وهو يقول : مرحبا بك يا حبيبي ، حتى أنه تناوله وأجلسه في حجره ، وهو يقبّل شفتيه ، ويرشف ثناياه ، وهو يقول : بعد عن رحمة اللّه من قتلك ، لعن اللّه من قتلك ، لعن اللّه من قتلك يا حسين وأعان على قتلك . والنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مع ذلك يبكي . فلما كان اليوم الثاني كنت مع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في مسجده ، إذ أتاه الحسين عليه السّلام مع أخيه الحسن عليه السّلام وقال : يا جداه قد تصارعت مع أخي الحسن ، ولم يغلب أحدنا الآخر ، وإنما نريد أن نعلم أيّنا أشدّ قوة من الآخر . فقال لهما النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : حبيبيّ يا مهجتيّ ، إن التصارع لا يليق بكما ، ولكن اذهبا فتكاتبا ، فمن كان خطه أحسن كذلك ، تكون قوته أكثر . قال : فمضيا وكتب كل واحد منهما سطرا ، وأتيا إلى جدهما النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فأعطياه اللوح ليقضي بينهما ، فنظر النبي إليهما ساعة ، ولم يرد أن يكسر قلب أحدهما ، فقال