لبيب بيضون
394
موسوعة كربلاء
وهاتيك أجسادهم بالعراء مجرّدة ، وثيابهم بالدماء مزمّلة ، وخدودهم بالتراب معفّرة . تصهرهم الشمس وتسفي عليهم الريح . زوّارهم الرخم والعقبان ، والذئب والضبعان . فأطرق يزيد ساعة ، ثم رفع رأسه وبكى . وقال : والله يا هذا لقد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين . أما لو أني صاحبه لعفوت عنه ، ولكن قبّح اللّه ابن مرجانة [ يقصد عبيد اللّه بن زياد ] . جملة تعليقات : من عادة الملوك ، وخاصة العتاة البغاة مثل يزيد ، أن يظهروا أنفسهم أمام الناس على غير حقيقتهم ، ولا يخفى ذلك على اللبيب . ففي المقطعين السابقين فقط يمكن أن نلاحظ ما يلي من الأكاذيب والمغالطات : 1 - استنكار يزيد على صاحب البريد تبشيره بوصول رأس الحسين عليه السّلام ، ليوهم الحاضرين أنه غير راض عما حصل ، وأن ذلك كان تصرفا شخصيا من ابن زياد ، مع أنه هو الّذي أمره بقتل الحسين عليه السّلام وأصحابه ، وسبي عياله وأطفاله ، بتلك الحالة التي تنفطر منها قلوب الرجال فضلا عن صمّ الجبال . 2 - عضّ يزيد على أنامله حتى كاد يقطعها حين قرأ رسالة عبيد اللّه بن زياد ، مع أنه هو الّذي أمره بإنجاز كل ما فعل ، لأن يزيد أصلا غير مؤمن لا بالحسين ولا بالإسلام ، كما تقرر كلماته وتصريحاته وأشعاره التي ذكرها فيما بعد . 3 - صوّر زحر بن قيس ليزيد ومن في مجلسه ، أن الحسين عليه السّلام وأصحابه جبناء يفرّون من وقع السيوف على الهام إلى الحفر والآكام ، وهذا تدليس على الواقع وقلب لكل الوقائع . فالبطولة التي أبداها الحسين عليه السّلام وأصحابه لا زالت مثار إعجاب العالمين فضلا عن المسلمين ، فقد كانوا يلقون أنفسهم على المنية وكأنها الغادة الرعبوب . 4 - كي يهوّن زحر ما حصل في كربلاء ، قال : فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا كجزر جزور [ أي المدة التي يستغرقها ذبح جمل ] أو كإغفاءة القائل [ أي غفوة الّذي ينام بعد الظهر ] حتى أتينا عن آخرهم مع أن معركة كربلاء استمرت عدة ساعات ، رغم عدم التكافؤ الكلي بين عدد أنصار الحسين عليه السّلام وهم في حدود المئة ، وبين أنصار يزيد وعددهم ينوف على ثلاثين ألفا .