الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي
447
موسوعة التاريخ الإسلامي
بما مرّ من عتابه له ، وكأنّه اشتدّ به الخوف فطرق على الحجّاج بابه ليلا ليبايع لعبد الملك لكي لا يبيت تلك الليلة بلا إمام ! إذ كان يروى عن النبي صلّى اللّه عليه وآله قوله : « من مات ولا إمام له مات ميتة جاهليّة » ! فبلغ من احتقار الحجّاج له واسترذال الحال به أن أخرج له رجله من فراشه وقال له : اصفق بيدك عليها ! ففعل « 1 » ! ومع ذلك لم يتحمّله الحجّاج فدسّ إليه رجلا سمّ زجّ رمحه وزاحمه في طريقه فطعنه بظهر قدمه ، ثمّ عاده الحجّاج فقال له : يا أبا عبد الرحمان من أصابك ؟ قال : ولم تقول هذا رحمك اللّه ! قال : لأنّك حملت السلاح في بلد لم يكن يحمل السلاح فيه ! ثمّ مات ابن عمر فدفن في حائط حرماز « 2 » عند ردم بني جمح . وقد مرّ أنّ ابن الزبير كان قد نفى ابن الحنفيّة إلى جبال رضوى بين مكّة والطائف ، وقد آن الأوان للعود إلى مكّة ، ولكنّه كان يخاف الحجّاج فكتب بذلك إلى ابن مروان : أنّ الحجّاج قد قدم بلدنا وقد خفته ! فاحبّ أن لا تجعل له عليّ سلطانا بيد ولا لسان ! فكتب عبد الملك إلى الحجّاج : أنّ محمد بن علي كتب إليّ يستعفيني منك ، وقد أخرجته من يدك فلم أجعل لك عليه سلطانا بيد ولا لسان فلا تتعرّض له ! فأمن بذلك ابن الحنفية من الحجّاج فنزل إلى مكّة مع الحجّاج في الطواف فلقيه الحجّاج فعضّ على شفته ثمّ قال له : لم يأذن لي فيك أمير المؤمنين ! فقال له محمد : ويحك أما علمت أنّ للّه تبارك وتعالى في كل يوم وليلة ثلاثمئة وستين لحظة ( أو : نظرة ) فلعلّه ينظر إليّ بنظرة فيرحمني فلا يجعل لك عليّ سلطانا بيد ولا لسان !
--> ( 1 ) شرح النهج للمعتزلي 13 : 242 عن الإسكافي في رسالته في نقض عثمانية الجاحظ . ( 2 ) المعارف لابن قتيبة : 185 .