الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي
50
موسوعة التاريخ الإسلامي
( مسكون ) من العرب غيرنا : فأراد قومنا قتل نبيّنا واجتياح أصلنا ، وهمّوا بنا الهموم وفعلوا بنا الأفاعيل ! فمنعونا الميرة وأمسكوا عنّا العذب وأحلسونا الخوف « 1 » وجعلوا علينا الأرصاد والعيون ، واضطرّونا إلى جبل وعر ، وكتبوا علينا بينهم كتابا : لا يؤاكلونا ولا يشاربونا ولا يناكحونا ولا يبايعونا ولا نأمن فيهم حتّى ندفع إليهم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فيقتلوه ويمثلوا به ! فلم نكن نأمن فيهم إلّا من موسم إلى موسم . فعزم اللّه لنا على منعه ( حمايته ) والذبّ عن حوزته ، والرمي من وراء حرمته ، والقيام بأسيافنا دونه في ساعات الخوف بالليل والنهار ، مؤمننا يبغي بذلك الأجر وكافرنا يحامي به عن الأصل ( أو الأهل ) . وأما من أسلم من قريش بعد فإنهم مما نحن فيه أخلياء : فمنهم حليف ممنوع ، أو ذو عشيرة تدافع عنه فلا يبغيه أحد بمثل ما بغانا به قومنا من التلف ، فهم من القتل بمكان نجوة وأمن ، فكان ذلك ما شاء اللّه أن يكون . . . ثم أمر اللّه رسوله بالهجرة ، وأذن له بعد ذلك في قتال المشركين ، فكان إذا احمرّ البأس ودعيت نزال أقام أهل بيته فاستقدموا ، فوقى بهم أصحابه حرّ الأسنّة والسيوف ، فقتل عبيدة ( بن الحارث بن المطّلب ) يوم بدر ، وحمزة يوم أحد ، وجعفر وزيد يوم مؤتة ، وأراد من لو شئت ذكرت اسمه ( يعني نفسه ) مثل الذي أرادوا من الشهادة مع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله غير مرة ، إلّا أنّ آجالهم عجّلت ومنيّته اخّرت . واللّه مولى الإحسان إليهم والمنّان عليهم بما قد أسلفوا من الصالحات ، فما سمعت بأحد ولا رأيت فيهم من هو أنصح للّه في طاعة رسوله ، ولا أطوع لرسوله في طاعة ربّه ، ولا أصبر على اللأواء والضرّاء وحين البأس ومواطن المكروه مع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، من هؤلاء النفر الذين سمّيت لك . وفي المهاجرين خير كثير نعرفه ، جزاهم اللّه بأحسن أعمالهم « 2 » .
--> ( 1 ) أي جعلوا الخوف لنا كأنه حلس وهو الجلّ للإبل فأجلسونا عليه ، تشبيها . ( 2 ) وقعة صفين : 88 - 90 .