الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي
106
موسوعة التاريخ الإسلامي
ومقتضى خاتمة هذا الخبر : أن معاوية كان قد استولى على الماء فمنعهم منه فاستردّه منه هؤلاء ، ولكنّهم هؤلاء لا يكافئونه فيمنعوه من الماء كما منعهم منه من قبل ، بل هم يدعونه إليه على سواء . هذا ولم يفترض في هذا الخبر سبق مقدمة معاوية بقيادة السلمي إلى الماء ، وإنما بدأ فجأة بقوله : « وعسكر عليّ على الماء » فاحتال معاوية بما أزاحهم عنه فارتحل حتّى نزل في منزلهم ، ثمّ لم يذكر أنه منعهم عن الماء إلّا أنه ذكر أن أهل العراق رجعوا فقاتلوا أهل الشام عليه حتّى ردّهم عنه إلى ثلاثة فراسخ ( 16 كم ! ) ألا ترى معي أن الخبر الأول أولى من هذا الثاني الملتوي هذه الالتواءات ؟ ! واستبطأ أصحابه إذن القتال : ولما ملك أمير المؤمنين الماء بصفّين ، ومنّ به على الشاميين ، مكث أياما بلا قتال ولا مقال متبادل ، فاستبطأ العراقيون القتال فجاء جمع منهم إليه وقالوا له : يا أمير المؤمنين ؛ خلّفنا ذرارينا ونساءنا بالكوفة ! وجئنا إلى أطراف الشام لنتّخذها وطنا ! ائذن لنا في القتال فقد قال الناس في ذلك ! فقال : وما قالوا ؟ فقال قائل منهم : إنّ من الناس من يظنّ أنك في شكّ من قتال أهل الشام ! ويظنّون أنك تكره الحرب كراهية الموت « 1 » ! فقال عليه السّلام : أما قولكم : أكلّ ذلك كراهية الموت ! فو اللّه ما أبالي دخلت إلى الموت أو خرج الموت إليّ ! وأما قولكم : شكّا في ( قتال ) أهل الشام ! فو اللّه ما دفعت الحرب يوما إلّا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي وتعشو إلى ضوئي ، فذلك أحبّ إليّ من أن أقتلها على ضلالها ، وإن كانت هي تبوء بآثامها « 2 » .
--> ( 1 ) شرح النهج للمعتزلي الشافعي 4 : 13 . ( 2 ) نهج البلاغة خ 55 .