العلامة المجلسي

345

بحار الأنوار

" أبواب " * " ( ساير الصلوات الواجبة وآدابها وما يتبعها ) " * * " ( من المستحبات والنوافل والفضائل ) " * 1 " باب " * " ( وجوب صلاة العيدين وشرائطهما ) " * * " ( وآدابهما وأحكامهما ) " * الآيات الاعلى : قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى ( 1 ) . الكوثر : فصل لربك وانحر . تفسير : " قد أفلح من تزكي " قيل أي فاز من تطهر من الشرك ، وقيل قد ظفر بالبغية من صار زاكيا بالأعمال الصالحة والورع عن ابن عباس وغيره ، وقيل : أعطى زكاة ماله عن ابن مسعود ، وكان يقول رحم الله امرءا تصدق ثم صلى ، ويقرأ هذه الآية ، وقيل : أراد صدقة الفطرة ، وصلاة العيد ، عن ابن عمر وأبي العالية وعكرمة وابن سيرين ، وروي ذلك مرفوعا وقد ورد في أخبارنا كما سيأتي ( 2 ) .

--> ( 1 ) الاعلى : 15 و 16 . ( 2 ) راجع مجمع البيان ج 10 ص 476 : وزاد بعده : ومتى قيل : على هذا القول كيف يصح ذلك والسورة مكية ولم يكن هناك صلاة عيد ولا زكاة ولا فطرة ؟ قلنا يحتمل أن يكون نزلت أوائلها بمكة وختمت بالمدينة . أقول : السورة مكية بشهادة سياق آياتها القصيرة ، وخصوصا قوله عز وجل فيها " سنقرئك فلا تنسى " الشاهد على كونها نازلة في أوائل البعثة وقد نقل الطبرسي رحمه الله في تفسير سورة الدهر ج 10 ص 405 عن ابن عباس أنها ثامنة السور النازلة على الرسول صلى الله عليه وآله ، مع ما فيه من مقابلة الأشقى بالذي يخشى على حد المقابلة في سائر السور المكية القصار كما في سورة الليل ، وفيها مقابلة الأشقى بالأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى . وأما الزكاة فقد كانت واجبة من أول الاسلام كالصلاة ففي سورة المؤمنون وهي مكية : " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون " وفى سورة النمل وهي مكية : " تلك آيات القرآن وكتاب مبين * هدى وبشرى للمؤمنين * الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون " ومثله في صدر سورة لقمان وهي مكية . وفى سورة المزمل وهي مكية " علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا " . فالزكاة قد أمرت بها في صدر سورة المؤمنون والنمل ولقمان وكلها مكية من دون اختلاف خصوصا صدر هذه السور فان اعتبار السورة إنما هو بصدرها ، والآيات المدنية إنما كانت تلحق بأواسط السورة وأواخرها ، وأما في سورة المزمل ، فالآية تشهد أنها نزلت قبل أن يتشكل للاسلام جمع فيهم مرضى وآخرون يضربون في الأرض ، كيف والقتال في سبيل الله ولم يؤذن لهم الا بالمدينة ، مع ما روى أنها خامسة السور النازلة . وأما قوله عز وجل في هذه السورة - سورة الاعلى " قد أفلح من تزكى " فالمراد بالتزكية هنا تزكية الأموال لتكون سببا لتزكية النفوس ولذلك سميت الزكاة زكاة قال الله عز وجل : " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " براءة : 103 وهي من السور النازلة بالمدينة بعد غزوة تبوك ، وقال عز من قائل : " وسيجنبها الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى " الليل " : 18 وهي من السور النازلة بمكة بعد سورة الاعلى من دون فصل يعتد به كما في رواية ابن عباس . وقال عز وجل " إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه " فاطر : 18 وهي من السور النازلة بمكة ، فقوله : " ومن تزكى " الخ يعادل قوله عز وجل " وآتوا الزكاة " كأنه قال : " وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة " . على حد سائر الآيات . على أن قوله عز وجل في سورة الاعلى : " بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى " عقيب قوله : " قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى " نص صريح في أن المراد بالتزكية هنا انفاق المال المعبر عنه بالزكاة ، ولولا ذلك لم يكن لهذا الاضراب " بل تؤثرون الحياة الدنيا " مجال أبدا . وأما الوجه في تقديم ذكر الزكاة على الصلاة والحال أنها متأخرة عن الصلاة كما في غير واحد من الآيات ، فهو أن الفلاح إنما هو بالايمان الواقعي وتسليم النفس خاشعا لأوامر الله عز وجل ، ولا يظهر ذلك الا بالتزكية تزكية الأموال - حيث زين لهم الشيطان حبها ، ولذلك يصعب عليهم انفاق المال في سبيل الله ، وأما الصلاة فليست بهذه المثابة من حيث الكشف عن الايمان ، فكثيرا ما نرى الناس يصلون الصلوات الكثيرة ولا ينفقون في سبيل الله الا القليل من القليل . فكأنه قال عز وجل : ما أفلح من ذكر اسم ربه فصلى فقط ، وإنما أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ، لكنكم تؤثرون الحياة الدنيا تصلون من دون أن تتزكون ، والحال أن ما عندكم ينفد وما عند الله باق ، والآخرة خير وأبقى . فالقول بأن السورة أو الآيات الأخيرة في ذيلها نزلت بالمدينة والمراد بالزكاة زكاة الفطر ، وبالصلاة صلاة العيد بعدها ، فعلى غير محله ، خصوصا بقرينة قوله عز وجل " بل تؤثرون الحياة الدنيا " وليس يصح أن يخاطب بذلك المؤمنون في صاع فطرة يسيرة تافهة يخرجونها في عام مرة واحدة . وأما تفكيك السورة بنزول صدرها بمكة وذيلها بالمدينة ، فهو خطأ عظيم ، حيث إن ذلك إنما صح في السور المدنية التي كانت تنزل فيها فروع الاحكام المفروضة والمندوبة فتلحق الآيات النازلة بسورة دون سورة لتناسب موضوعها ، وأما في السور المكية التي تتعقب بسياقها غرضا واحدا وهو تحقيق أصول الدين وقد كانت تلقى على المشركين حجة ودليلا على صدق الرسالة بما في نظمها وسياق قصصها من الاعجاز الخارق للعادة ، فلا معنى للتفكيك في نزول السور ، خصوصا السور القصار كهذه السورة التي مع اتحاد سياقها لا تبلغ عدد آياتها العشرين وأكثر آياتها تشتمل على ثلاث كلمات فقط ، والظاهر أنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه يقرؤن في صلاة الفطر سورة الاعلى وفيه " قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى " توهموا أن ذلك لأجل نزوله في صلاة الفطر وزكاته ، وليس كذلك بل إنما سن صلى الله عليه وآله قراءة السورة في صلاة الفطر لأجل المناسبة على ما سيأتي بيانه ، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم .