الشيخ أبو القاسم الخزعلي

569

موسوعة الإمام الجواد ( ع )

وعوفيت من علاج التجربة ، فأتاك من ذلك ما قد كنّا نأتيه ، واستبان لك ما ربّما أظلم علينا منه . أي نبيّ ، إنّي وإن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في أعمالهم ، وفكّرت في أخبارهم ، وسرت في آثارهم حتّى عدت كأحدهم ، بل كأنّي بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذلك من كدره ، ونفعه من ضرره . فاستخلصت لك من كلّ أمر نخيلة وتوخّيت لك جميله ، وصرفت عنك مجهوله ، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ، ومقتبل الدهر ، ذونيّة سليمة ، ونفس صافية ، وأن أبتدئك بتعليم كتاب اللّه وتأويله ، وشرائع الإسلام وأحكامه ، وحلاله وحرامه ، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره . ثمّ أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم مثل الذي التبس عليهم ، فكان احكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحبّ إليّ من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة ، ورجوت أن يوفّقك اللّه فيه لرشدك ، وأن يهديك لقصدك ، فعهدت إليك وصيّتي هذه . واعلم يا بنيّ ! أنّ أحبّ ما أنت آخذ به إليّ من وصيّتي : تقوى اللّه ، والاقتصار على ما فرضه اللّه عليك ، والأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك ، والصالحون من أهل بيتك ، فإنّهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر ، وفكّروا كما أنت مفكّر ، ثمّ ردّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا ، والإمساك عمّا لم يكلّفوا . فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا ، فليكن طلبك ذلك بتفهّم وتعلّم ، لا بتورّط الشبهات وغلوّ الخصومات .