العلامة المجلسي

38

بحار الأنوار

يكفي استيطان الوقوف العامة كالمدارس ، وذهب جماعة إلى الاكتفاء بالخاص ، واشترط الشهيد ملك الرقبة ، فلا تجزي الإجارة ، وفيه تأمل ، وألحق العلامة ومن تأخر عنه بالملك اتخاذ البلد دار مقام على الدوام ، ولا بأس به . وهل يشترط استيطان الستة أشهر قال في الذكرى الأقرب ذلك ، وهو بعيد والأصل ما ذكرنا من شهادة العرف بأنها وطنه أو مسكنه ، ليدخل تحت الأخبار الواردة في ذلك ، وأما ما شك في دخوله فيها فالاحتياط فيه سبيل النجاة . 13 - السرائر : نقلا من كتاب حريز بن عبد الله قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام أرأيت من قدم بلدة متى ينبغي له أن يكون مقصرا ، ومتى ينبغي أن يتم ؟ قال : إذا دخلت أرضا فأيقنت أن لك فيها مقام عشرة أيام فأتم الصلاة ، فإن لم تدر ما مقامك بها تقول غدا أخرج وبعد غد فقصر ما بينك وبين أن يمضي شهر ، فإذا تم شهر فأتم الصلاة ، وإن أردت أن تخرج من ساعتك فأتم ( 1 ) .

--> ( 1 ) السرائر : 472 ، ويستفاد هذا الحكم من كتاب الله عز وجل بمعونة السنة أما الكتاب فحيث يقول عز وجل : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) والمراد بالعاكف المقيم قطعا كما في قوله عز وجل : ( سواء العاكف فيه والباد ) . وأما السنة فحيث امتثل رسول الله صلى الله عليه وآله دعوة الآية الكريمة ، واعتكف في مسجده عشرة ، حتى أنه لم يعتكف في سنة فقضاها في السنة بعدها عشرين : عشرة أداء وعشرة قضاء ، فصارت الاعتكاف في محل عشرة من تمام الإقامة . بل ويدل على ذلك بوجه أجمع قوله تعالى : ( وإذ واعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) أي كان يواعده كل ليلة أنه أما إذا تم ميقاته واعتكافه بالصوم والصلاة أنزل عليك التوراة ، وهو عليه السلام ينتظر في كل ثلاثة أيام نزول التوراة لما كان بحسابه أن اعتكافه بالصوم والصلاة إنما يتم في ثلاث ، على ما أمرهم الله عز وجل بالصيام ثلاثة أيام - أيام العشر : العاشر والحادي عشر والثاني عشر من كل شهر كما مر في ج 83 ص 91 . لكنه عليه السلام لما كان مسافرا ولم يقصد الإقامة عشرا ، كان ميقاته واعتكافه غير تامة حتى مضى ثلاثون تمام الشهر ، وانقطع حكم السفر وصار اعتكافه وميقاته في العشرة بعدها تاما واقعا في محله ونزل عليه التوراة فيها حكم الله عز وجل . وهذا معنى قوله عز وجل : ( فأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) ، وفقا لقوله عز وجل : ( وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ) أي كنا نواعده أربعين ليلة : كل ليلة نقول : أما إذا تم الاعتكاف والميقات نزل عليك التوراة ، ولم يتم الا بعد الأربعين : لم يتم في ثلاث لان أقل الإقامة عشرة ، ولم يتم في العشرات الأول لكونه مسافرا . وإنما لم يوح إليه بأن اعتكافه لا يتم الا بعشرة عن قصد إقامة ، ليفتتن طول ذلك قومه قال عز وجل : ( وما أعجلك عن قومك يا موسى ؟ قال : هم أولاء على أثرى وعجلت إليك رب لترضى ، قال : فانا قد فتنا قومك من بعدك وأصلهم السامري ) . وذلك لان الله عز وجل واعدهم جميعا جانب الطور الأيمن ، لكن موسى عليه السلام استبطأهم لمسيرهم بالأثقال والأطفال وخلف فيهم أخاه هارون وتعجل إلى الميقات بنفسه ، ليتم ميقاته واعتكافه مدى سيرهم إلى الطور ، فيتوافق نزوله من الطور مع وصول قومه ، فقد كان بخلده عليه السلام رقى قومه وهدايتهم إلى أرض القدس بنفسه ، والله عز وجل بالرصد من افتتانهم بعد ايمانهم ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) .