العلامة المجلسي

98

بحار الأنوار

فمطلقا وجوبا لظاهر الامر ، ولتعليق نفي الجناح فيما سيأتي بشرط الأذى فتثبت مع عدمه ، وهو المشهور بين الأصحاب ، وقال ابن الجنيد يستحب وتردد في المعتبر والنافع وحمله ابن الجنيد على الارشاد ، وفيه عدول عن الظاهر ، بناء على كون الامر للوجوب من غير دليل . وهو يختص الوجوب بالمصلين ؟ فيه قولان ، وروى ابن عباس أن المأمور بأخذ السلاح هم المقاتلة ، وهو خلاف الظاهر ، بل الظاهر إما التعميم أو التخصيص بالمصلين كما قلنا أولا ، بناء على أن أخذ السلاح للفرقة الأولى أمر معلوم لا يحتاج إلى البيان . وعلى القول بوجوب أخذ السلاح على المصلين لا تبطل الصلاة بتركه على المشهور لكون النهي متعلقا بأمر خارج عن حقيقة الصلاة ، والنجاسة الكائنة على السلاح غير مانع من أخذه على المشهور وقيل لا يجوز أخذه حينئذ إلا مع الضرورة ولعل الأول أقرب ، عملا باطلاق النص مع كون النجاسة فيه غير نادر وثبوت العفو عن نجاسة ما لا يتم الصلاة فيه منفردا ، وانتفاء الدليل على طهارة المحمول ولو تعدت نجاسته إلى الثوب وجب تطهيره إلا مع الضرورة . ( فإذا سجدوا ) ( 1 ) أي الطائفة الأولى المصلية ( فليكونوا من ورائكم ) ( 2 )

--> ( 1 ) المراد بهذه السجدة السجدة الثانية من الركعة الثانية عند تمام الصلاة ، وذلك لأنه عز وجل قال ( فإذا سجدوا ) وأسند فعل السجدة إليهم دون أن يقول : ( فإذا سجدت بهم ) . فمبنى الآية على أن النبي صلى الله عليه وآله يصلى بفرقة منهم ركعة بركوعها وسجودها : سجدتين ويقعد ذاكرا لله عز وجل وتقوم الفرقة المصلية لاتمام صلاتهم ( لعدم الخوف بهم من العدو موقتا بعد تلك الحيلة ) ويصلون ركعة واحدة منفردين ، فإذا سجدوا ، أي أتموا الصلاة بالسجدة الثانية فكنى عن تمام الصلاة بالسجدة ، لأنها آخر أجزاء الصلاة بالفرض على ما عرفت مرارا . ( 2 ) تنص هذه الجملة على أن الطائفة الراصدة إنما تقوم خلف المصلين أبدا كانت القبلة في جهة العدو ، أو خلاف جهتهم ، ويستفاد من ذلك أن أمام المصلى يجب أن يكون فارغا لا يمر بين يديه أحد من المارة ولا يقوم بإزائه أحد ، كما مر في ج 83 ص 294 . وما يقال إن هذا الصلاة بالكيفية المعهودة إنما تقام أما إذا كانت القبلة في خلاف جهة العدو ، حتى يكون الطائفة الراصدة خلف المصلين تواجه الأعداء ، واستأنسوا على ذلك أو استدلوا عليه بقوله عز وجل هذا ( فليكونوا من ورائكم ) ، ثم حملوا الآية الكريمة على صلاة ذات الرقاع حيث كانت العدو في خلاف جهة القبلة لذلك ، فليس بشئ . وذلك لان ظاهر الآية الكريمة أنها نزلت قبل هذه الوقايع تبين لهم وظيفتهم في السفر وعند موارد الخوف وامكان رفع الخطر موقتا بالتعبية كذلك ، ولذلك عمم وقال : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) الآية . فحيثما ابتلى المسلمون بالسفر ومخافة العدو : أن يهجموا عليهم ، وكان النبي صلى الله عليه وآله أو من يقوم مقامه في جمع شمل المسلمين فيهم وبامكانه أن يفرق المسلمين فرقتين : فرقة تصلى وفرقة ترصدهم وجب إقامة الصلاة كذلك ، ولا يشترط في اقامتها غير هذه الشروط المذكورة . على أنك قد عرفت في صدر الباب السابق عند البحث عن الآية الكريمة ان صلاة السفر في مقابلة العدو والخوف من فتنتهم إنما تقام على هذه الكيفية ليرتفع بهذه التعبية والرصد خوف فتنتهم بالفعل وموقتا ، وهذا إنما يكون أما إذا صادفوا العدو ، وقاموا في وجههم لا يدرون مآل الامر أنهم يحاربون أولا ، كما كان الامر في صلوات الرسول صلى الله عليه وآله غزوة ذات الرقاع وعسفان وبطن نخل . وأما أما إذا نشبت الحرب بينهم أو عزم الامر على ذلك بمواجهة القتال فصار خوف الهجوم منهم بالفعل كانت الصلاة صلاة مطاردة بالتكبيرة والتسبيح والتهليل كما وقع في بعض أيام غزوة الخندق ، وامتثالا لقوله تعالى : ( فان خفتم فرجالا أو ركبانا ) فالقيام في وجه العدو إنما يجب في هذه الصلاة لا غيرها . ويؤيد ذلك أن الأئمة الأطهار عليهم صلوات الله الرحمن إنما تعرضوا لصلاة الخوف بوجه واحد طبقا لحكم الآية الكريمة ، ولا يكون ذلك الا لعموم حكم الآية لجميع موارد الخوف واطلاقها بالنسبة إلى موقف الأعداء وكونهم في جهة القبلة أو خلافها . بل وعندي أن النبي صلى الله عليه وآله إنما صلى بهذه الكيفية فقط ، وسائر ما ورد من طرق الجمهور ، وقد ناهض إلى ستة عشر وجها ، فكلها آراء الصحابة والتابعين توهموها على الآية الكريمة فاختار كل ما وجدها أنسب بظاهر الآية ، وسيأتي تمام الكلام فيها عند تعرض المؤلف العلامة لبعضها انشاء الله تعالى .