العلامة المجلسي
278
بحار الأنوار
العكوف أي الإقامة ، والمراد أن عكوفات الهمم وإقاماتها على باب كل أحد في طلب الاحسان منه قد تقطعت وخابت إلا عكوفاتها على باب جودك وإحسانك . " ومذاهب العقول قد سمت إلا إليك " المذاهب الطرق ، ويطلق على الآراء أيضا وسما إلى الشئ ارتفع إليه ، والمراد أن طرق العقول والآراء قد ارتفعت إلى الأشياء ، أما إليك فقد قصرت عن الارتقاء ، وضلت في بيداء العظمة والكبرياء انتهى . وأقول : في أكثر النسخ " ومعاكف الهمم قد تعطلت " وفي بعضها " تقطعت " ويحتمل كون المعاكف اسم مكان ، ولعله بالنسخة الأولى أنسب ، ويمكن أن يكون المراد بقوله " قد سمت " أنها لا تقع على المقصود كما يقال : نبا بصره عن الشئ إذا لم يره ، وهذا المعنى أنسب بالفقرتين السابقتين ، أي كل جهة تذهب إليه العقول لتحصيل المطالب فلا تقع عليها إلا الطريق الذي ينتهي إليك ، ويمكن أن يقرء " سمت " على بناء المجهول بتشديد الميم أي سدت ، ويؤيده أن في بعض النسخ سدت . والملتجأ مصدر بمعنى الالتجاء ، قوله : " بنفسي " الباء للمصاحبة ، وكونها للتعدية كما توهم بعيد " يا من فتق العقول " أي وسعها وهيئها لمعرفته وجعلها قابلة لها . " وجعل ما امتن به على عباده " - قال الشيخ البهائي - ره - : أي جعل تكليفنا بعبادته مكافئا " لأداء حق نعمائه مع أن في تكليفنا بعبادته وتشريفنا بخدمته ، وجعلنا أهلا " للقيام بها لطفا " جزيلا " ومنة عظيمة علينا ، ألا ترى أن الملك العظيم إذا شرف شخصا بخدمته وجعله أهلا " لمخاطبته ، فان ذلك الشخص يعد ذلك من عظيم ألطاف ذلك الملك ، وجزيل مننه عليه ، فهو سبحانه لوفور كرمه جعل بعض نعمائه التي من بها علينا ووقفنا لها شكرا " ومكافاتا " منا لبعض نعمائه الأخرى ، ومع ذلك قد وعدنا عليها ثوابا " جزيلا " في الآخرة فسبحانه سبحانه ما أعلى شأنه وأعظم امتنانه انتهى .