العلامة المجلسي

101

بحار الأنوار

فمتى أصليها ؟ قال : ما بين المغرب والعشاء ( 1 ) . بيان : الظاهر أن هذه الصلاة هي نافلة المغرب فان ركعتين منها آكد كما مر ، ويجوز الاكتفاء في النوافل بالحمد فقط لا سيما عند ضيق الوقت ، بل يحتمل في بعض النوافل المتقدمة أيضا " أن يكون كيفية مستحبة لنافلة المغرب ، وهذه الأخبار مما يؤيد جواز إيقاع التطوع بعد دخول وقت العشاء ( 2 ) إذ لا يفي الوقت بجميعها ،

--> ( 1 ) فلاح السائل ص 248 . ( 2 ) هذه الأخبار مع ضعف سندها تخالف سنة النبي صلى الله عليه وآله في أعداد النوافل من جهة وفي تعيين أوقات الصلوات أخرى ، وقد عرفت فيما سبق مرارا " أن الله لا يعذب على كثرة الصيام والصوم ، ولكنه يعذب على ترك السنة . وذلك لان المراد بالسنة كما عرفت في ج 82 ص 295 سيرته العملية المتخذة بإشارات القرآن العزيز كما " وكيفا " زمانا " ومكانا " فمن خالف سنته كما فأتى بالنوافل أكثر مما سنه صلى الله عليه وآله أو كيفا " فأتى بها بتطويل الركوع في ليلة مع تخفيف سائرها وتطويل السجود في ليلة أخرى يتخذها سيرة لنفسه ويقول يا فلان هذه ليلة الركوع وهذه ليلة السجود مثلا ، أو لا يفصل بين كل ركعتين بتشهد وسلام ، أو يقرء عشر سور في ركعة واحدة يلتزم بها وغير ذلك مما يكثر تعداده . أو خالف سنته صلى الله عليه وآله زمانا فأتى بالنوافل في وقت الفرائض المختص بها ، أو مكانا " فأتى بها في المسجد علانية يلتزم بها ، وقد كان صلوات الله عليه يأتي بها في داره الا نوافل شهر رمضان على ما سيأتي في محله . فمن خالف سنته صلى الله عليه وآله بإحدى هذه الصور فقد أتى بأمر من عنده محدث ، " وكل محدث بدعة ، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار " . وهذا هو المراد بقوله عليه السلام " ما أحدثت بدعة الا ترك بها سنة " وذلك لان السنة قد تترك رأسا " ، كمن ترك النوافل من دون تهاون واستخفاف بها ، فلا حرج عليه ، لما قد صح عنه عليه الصلاة والسلام : " . . . وسنة في غير فريضة الاخذ بها فضيلة وتركها إلى غير خطيئة " . وأما إذا ترك السنة وراء ظهره كأنه لا يعبأ بها ، أو حولها عن وجهها كأنه يرى نقصا " فيها فيتمها من عنده ، أو خللا فيصلحها ويسدها برأيه ، فقد خالف سنة النبي صلى الله عليه وآله وتعداها " ومن خالف سنة النبي متعمدا " فقد كفر " ومن تعداها جهلا اخذ بناصيته ورد إلى السنة ، والا فلا يعبأ بأعماله ولا ينصب لها ميزان ، لما قد صح عنه عليه الصلاة والسلام : " لا عمل الا بنية ولا نية الا بإصابة السنة " . وأما الفقهاء والمحدثون من الأصحاب - رضوان الله عليهم - فإنما نقلوا هذه الأحاديث وما ضاهاها في كتبهم المدونة لاعمال اليوم والليلة - مع اعترافهم بضعف سندها ، تعولا على قاعدة التسامح في أدلة السنن المبتنية على أحاديث من بلغ ، زعما منهم أنها تشمل كل حديث روى فيه ثواب على عمل ، مطلقا " ، وإن كان العمل مخالفا " للسنة القطعية ، وليس كذلك ، والا لكان مفادها تصويب البدع والحكم بمشروعيتها ، والكذب المفترع على أئمة الدين وحماته ، وهذا كما ترى مخالف لضرورة المذهب . فالمراد من العمل الذي يروى له ثواب من الله إنما هو العمل الثابت بالسنة القطعية كالنوافل المرتبة والتعقيبات والأذكار التي يؤيدها الكتاب والسنة ، فإذا ورد في حديث أن صلاة الليل تزيد في الرزق ، أو نافلة المغرب تسرع في قضاء حاجته وأن تسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام عند المنام خير من خادم يخدم البيت طول النهار ، فافتتن المكلف بالحديث وعمل ذاك الخير التماس تلك العائدة ورجاء ذلك الثواب المخصوص ، آتاه الله ذلك الثواب تكرما " ، وان لم يكن الحديث كما بلغه . على أن هذه الأحاديث - أحاديث من بلغ - لو كانت لها اطلاقا فإنما تنظر إلى العوام والمقلدين البسطاء ، الذين لا يعرفون الحق من الباطل ، ولا يكلفون التمييز بين الصحيح والسقيم ، وإنما يتعولون في دينهم على رأى الفقهاء والمحدثين ، وأما الفقهاء والمحدثون فوظيفتهم الذب عن حوزة الدين ، ومعرفة الصحيح من السقيم وطرح الأحاديث والروايات التي لا توجب علما " ولا عملا ، لضعف سندها وطعن العلماء في رواتها بالفسق والغلو والجهالة ، فهم أولى بأن يؤدوا حق الله عز وجل إليه وهو أن يقولوا ما يعلمون ، ويكفوا عما لا يعلمون ، وأن يأخذوا بما وافق كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ويدعوا ما خالف كتاب الله وسنة نبيه : ففي الصحيح أن أبا يعفور سأل الصادق عليه السلام عن اختلاف الحديث : يرويه من يوثق به ، ومنهم من لا يوثق به ، فقال عليه السلام : إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا في كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله ( يعنى سنته ص ) والا فالذي جاءكم به أولى به . وروى الكشي عن اليقطيني عن أبي محمد يونس بن عبد الرحمن أن بعض أصحابنا سأله فقال له : يا أبا محمد ما أشدك في الحديث وأكثر انكارك لما يرويه أصحابنا ، فما الذي يحملك على رد الأحاديث ؟ فقال : حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول : لا تقبلوا علينا حديثا " الا ما وافق القرآن والسنة ، أو تجدون معه شاهدا " من أحاديثنا المتقدمة ، فان المغيرة بن سعيد لعنه الله دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبى فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وآله فانا إذا حدثنا قلنا : قال الله عز وجل ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله . قال يونس : وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه السلام ووجدت أصحاب أبي عبد الله عليه السلام متوافرين فسمعت منهم وأخذت كتبهم فعرضتها بعد على أبي الحسن الرضا عليه السلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن يكون من أحاديث أبي عبد الله عليه السلام ، وقال لي : ان أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله عليه السلام ، لعن الله أبا الخطاب وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتاب أصحاب أبي عبد الله عليه السلام فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن ، فانا ان حدثنا حدثنا بموافقة القرآن وموافقة السنة ، أنا عن الله وعن رسوله نحدث الخبر . فعلى هذا لا مناص من أن نتعرف صدق الرواة وأمانتهم ثم بعد ذلك نعرض الحديث على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ، فان وافق القرآن وسيرة نبيه صلى الله عليه وآله نقبله ، والا فمن جاء به فهو أولى به ، وهذه الأحاديث مع كونها مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وآله ، رواتها مطعون غالبا " أو مجاهيل ، فلا توجب لا علما " ولا عملا ، حتى يحتاج إلى الجمع بينها .