الشيخ باقر شريف القرشي

73

موسوعة الإمام أمير المؤمنين على بن أبى طالب ( ع )

يوم بؤسه ! ألا وإنّكم في أيّام أمل من ورائه أجل ، فمن عمل في أيّام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله ، ولم يضرره أجله . ومن قصّر في أيّام أمله قبل حضور أجله ، فقد خسر عمله ، وضرّه أجله . ألا فاعملوا في الرّغبة كما تعملون في الرّهبة ، ألا وإنّي لم أر كالجنّة نام طالبها ، ولا كالنّار نام هاربها ، ألا وإنّه من لا ينفعه الحقّ يضرّه الباطل ، ومن لا يستقم به الهدى ، يجرّ به الضّلال إلى الرّدى . ألا وإنّكم قد أمرتم بالظّعن ، ودللتم على الزّاد . وإنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنتان : اتّباع الهوى ، وطول الأمل ، فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا » . وعلّق الشريف الرضي على هذا المقطع من كلامه عليه السّلام بقوله : أقول : إنّه لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزهد في الدنيا ، ويضطر إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام ، وكفى به قاطعا لعلائق الآمال ، وقادحا زناد الاتعاظ والازدجار ، ومن قوله عليه السّلام : « ألا وإنّ اليوم المضمار وغدا السّباق ، والسّبقة الجنّة والغاية النّار » فإن فيه - مع فخامة اللفظ ، وعظم قدر المعنى ، وصادق التمثيل ، وواقع التشبيه - سرّا عجيبا ، ومعنى لطيفا ، وهو قوله عليه السّلام : « والسّبقة الجنّة ، والغاية النّار » فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين ، ولم يقل : « السّبقة النّار » كما قال : « السّبقة الجنّة » ، لأن الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب ، وغرض مطلوب ، وهذه صفة الجنة وليس هذا المعنى موجودا في النار ، نعوذ باللّه منها ! فلم يجز أن يقول : « والسّبقة النّار » بل قال : « والغاية النّار » ؛ لأن الغاية قد ينتهي إليها من لا يسره الانتهاء إليها ، ومن يسره ذلك ، فصلح أن يعبر بها عن الأمرين معا ، فهي في هذا الموضع كالمصير والمآل ، قال اللّه تعالى : قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال : سبقتكم - بسكون الباء - إلى النار ، فتأمل ذلك . فباطنه عجيب ، وغوره بعيد لطيف . وكذلك أكثر كلامه عليه السّلام [ 1 ] .

--> [ 1 ] نهج البلاغة 1 : 71 - 73 .