الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

97

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الفصل الثاني في تعبيره ص الرؤيا يقال : عبرت الرؤيا بالتخفيف : إذا فسرتها ، وعبرتها بالتشديد للمبالغة في ذلك . وأما « الرؤيا » بوزن فعلى - وقد تسهل الهمزة - فهي ما يراه الشخص في منامه . قال القاضي أبو بكر بن العربي : الرؤيا إدراكات يخلقها اللّه تعالى في قلب العبد على يد ملك أو شيطان ، إما بأسمائها ، أي حقيقتها ، وإما بكناها أي بعبارتها ، وإما تخليطا . وذهب أبو بكر بن الطيب : إلى أنها اعتقادات ، واحتج بأن الرائي قد يرى نفسه بهيمة أو طائرا مثلا ، وليس هذا إدراكا ، فوجب أن يكون اعتقادا ، لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد . قال ابن العربي : والأول أولى ، والذي ذكره ابن الطيب من قبيل المثل فالإدراك يتعلق به لا بأصل الذات . وقال المازري : كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا ، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة ، لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل ، ولا يقوم عليها برهان ، وهم لا يصدقون بالسمع « 1 » ، فاضطربت أقاويلهم ، فمن ينتمى إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الأخلاط ، فيقول : من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم ، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو وهكذا إلى آخره ، وهذا وإن جوزه العقل ، وجاز أن يجرى اللّه العادة به لكنه لم يقم عليه دليل ، ولا اطردت به عادة ، والقطع في موضع التجويز غلط .

--> ( 1 ) الدليل السمعي : أي الكتاب والسنة لأنهما تلقيا عن طريق السماع من الوحي ، بخلاف الدليل العقلي الذي لا يستمد منهما .