الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
78
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
والدليل على أن الطاعون يغاير الوباء ، أن الطاعون لم يدخل المدينة النبوية ، وقد قالت عائشة : دخلنا المدينة وهي أوبأ أرض اللّه ، وقال بلال : أخرجونا إلى أرض الوباء . والطاعون : من طعن الجن ، وإنما لم يتعرض له الأطباء لكونه من طعن الجن ، لأنه أمر لا يدرك بالعقل ، وإنما عرف من الشارع ، فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم ، وإنما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن وقوعه غالبا في أعدل الفصول ، وفي أصح البلاد هواء ، وأطيبها ماء ، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى ، والطاعون يذهب أحيانا ويجئ أحيانا على غير قياس ولا تجربة ، فربما جاء سنة على سنة ، وربما أبطأ سنين ، وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان ، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير ، ولا يصيب من هم بجانبهم ممن هو في مثل مزاجهم ، ولو كان كذلك لعم جميع البدن ، وهذا يختص بموضع دون موضع من الجسد لا يجاوزه ، ولأن فساد الهواء يقتضى تغير الأخلاط وكثرة الأسقام ، وهذا في الغالب يقتل غالبا بلا مرض ، فدل على أنه من طعن الجن . كما ثبت في الأحاديث الواردة في ذلك . منها حديث أحمد والطبراني عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري عن أبيه قال : سألت عنه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : « هو وخز أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة » « 1 » . وقال الشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر : يقع في الألسنة ، وهو في النهاية تبعا لغريبى الهروي بلفظ « وخز إخوانكم » ولم أره بلفظ « إخوانكم » بعد التتبع الطويل البالغ في شيء من طرق الحديث المسندة ، لا في الكتب المشهورة ، ولا في الأجزاء المنثورة ، وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد الطبراني أو كتاب الطواعين لابن أبي الدنيا ، ولا وجود لذلك في واحد منها واللّه أعلم . انتهى .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في « المسند » ( 4 / 395 و 413 ) ، والطبراني في « الصغير » ( 351 ) ، و « الأوسط » ( 1418 ) .