الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
678
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
الدخول هي باء السبب التي تقتضى سببية ما دخلت عليه لغيره ، وإن لم يكن مستقلا بحصوله و « الباء » التي نفت الدخول هي باء المعاوضة التي يكون فيها أحد العوضين مقابلا للآخر ، نحو : اشتريت منه بكذا ، فأخبر أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد ، وأنه لولا رحمة اللّه لعبده لما أدخله الجنة ، لأن العمل بمجرده - ولو تناهى - لا يوجب بمجرده دخول الجنة ، ولا يكون عوضا لها ، لأنه لو وقع على الوجه الذي يحبه اللّه ، لا يقاوم نعمة اللّه ، بل جميع العمل لا يوازى نعمة واحدة . فلو طالبه بحقه لبقيت عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقم بها ، فلذلك لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم ، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا من أعمالهم ، كما في حديث أبي بن كعب عند أبي داود وابن ماجة . وهذا فصل الخطاب مع الجبرية النفاة للحكمة والتعليل القائلين بأن القيام للعبادة ليس إلا لمجرد الأمر ، من غير أن يكون سببا للسعادة في معاش ولا معاد ، ولا لنجاة المعتقدين أن النار ليست سببا للإحراق ، وأن الماء ليس سببا للإرواء والتبريد . والقدرية الذين ينفون نوعا من الحكمة والتعليل ، القائلين بأن العبادات شرعت أثمانا لما يناله العباد من الثواب والنعيم ، وإنما هي بمنزلة استيفاء الأجير أجرته ، محتجين بأن اللّه تعالى يجعلها عوضا عن العمل ، كما في قوله تعالى : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 1 » وبقوله - صلى اللّه عليه وسلم - حاكيا عن ربه تعالى : « يا عبادي ، إنما هي أعمالكم أحصاها لكم ثم أوفيكم إياه » . وهؤلاء الطائفتان متقابلتان أشد التقابل ، وبينهما أعظم التباين ، فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطا بالجزاء البتة ، والقدرية جعلت ذلك بمحض الأعمال وثمنا لها ، والطائفتان جائرتان منحرفتان عن الصراط المستقيم الذي فطر اللّه عليه عباده ، وجاءت به رسله ، ونزلت به كتبه ، وهو : أن الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب والعقاب ، مقتضيات لهما كاقتضاء سائر الأسباب
--> ( 1 ) سورة النحل : 32 .