الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
662
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
واختلف أيضا في الموزون نفسه . فقال بعضهم : توزن الأعمال نفسها . وهي وإن كانت أعراضا إلا أنها تجسم يوم القيامة فتوزن وقال بعضهم : الموزون صحائف الأعمال ، ويدل له حديث البطاقة المشهور ، وقد رواه الترمذي ، من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، يرفعه بلفظ : « إن اللّه يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة ، فينشر عليه تسعة وتسعين رجلا ، كل سجل منها مثل مد البصر ، ثم يقول : أتنكر من هذا شيئا ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول : لا ، يا رب ، فيقول : أفلك عذر ؟ فيقول : لا ، يا رب ، فيقول : بلى ، إن لك عندنا حسنة ، وإنه لا ظلم عليك اليوم ، فيخرج بطاقة فيها : أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا عبده ورسوله ، فيقول : احضر وزنك ، فيقول : يا رب ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فقال : إنك لا تظلم ، قال : فتوضع السجلات في كفة والبطاقات في كفة ، قال : فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ، فلا يثقل مع اسم اللّه شيء » « 1 » . فإن قلت : إن من شأن الميزان أن يوضع في الكفة شيء وفي الأخرى ضده ، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة ، والذي يقابل شهادة التوحيد الكفر ، ويستحيل أن يأتي عبد واحد بالكفر والإيمان معا حتى يوضع الإيمان في كفة والكفر في أخرى ؟ أجاب الترمذي الحكيم : بأنه ليس المراد وضع شهادة التوحيد في كفة الميزان ، وإنما المراد وضع الحسنة المترتبة على النطق بهذه الكلمة مع سائر الحسنات . ويدل لما قاله قوله : « بلى إن لك عندنا حسنة » ولم يقل لك عندنا إيمانا . وقد سئل - صلى اللّه عليه وسلم - عن لا إله إلا اللّه ، أمن الحسنات هي ؟ فقال : من أعظم الحسنات . أخرجه البيهقي وغيره . ويجوز - كما قاله القرطبي في التذكرة - أن تكون هذه الكلمة هي آخر كلامه في الدنيا ، كما في حديث
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه ابن ماجة ( 4300 ) في الزهد ، باب : ما يرجى من رحمة اللّه يوم القيامة . من حديث عبد اللّه بن عمرو - رضى اللّه عنهما - . والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن ابن ماجة » .