الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
609
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
المخلوقات يكون له تفضيل على جنسه كما استقرئ في كل أموره ، من بدء ظهوره - صلى اللّه عليه وسلم - إلى حين وفاته ، في الجاهلية والإسلام . فمنها ما كان في شأن أمه ، وما نالها من بركته مع الجاهلية الجهلاء ، حسب ما هو مذكور معلوم . ومثل ذلك حليمة السعدية . وحتى الأتان ، وحتى البقعة التي تجعل الأتان يدها عليها تخضر من حينها ، وما هو من ذلك كله معلوم . وكان مشيه - صلى اللّه عليه وسلم - حيث ما مشى ظهرت البركات مع ذلك كله ، وحيث وضع - صلى اللّه عليه وسلم - يده المباركة ظهر في ذلك كله من الخيرات والبركات حسّا ومعنى ، كما هو منقول معروف . ولما شاء صاحب القدرة أنه - صلى اللّه عليه وسلم - لا بدّ له من بيت ، ولا بدّ له من منبر ، وأنه بالضرورة يكثر تردده - صلى اللّه عليه وسلم - بين المنبر والبيت ، فالحرمة التي أعطى غيرهما إذا كان من مسّة واحدة بمباشرته أو بواسطة حيوان أو غيره تظهر البركة والخير ، فكيف مع كثرة ترداده - صلى اللّه عليه وسلم - في البقعة الواحدة مرارا في اليوم الواحد طول عمره ، من وقت هجرته إلى حين وفاته . فلم يبق من الترفيع بالنسبة إلى عالمها أعلى مما وصفناه ، وهو أنها كانت من الجنة ، وتعود إليها ، وهي الآن منها ، وللعامل فيها مثلها ، فلو كانت مرتبة يمكن أن تكون أرفع من هذه في هذه الدار ، لكان لهذه أعلى مرتبة مما ذكرنا في جنسها . فإن احتج محتج لا فهم له بأن يقول : ينبغي أن يكون ذلك للمدينة بكمالها ، لأنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان يطؤها بقدمه مرارا . فالجواب : أنه قد حصل للمدينة تفضيل لم يحصل لغيرها ، من ذلك أن ترابها شفاء كما أخبر - صلى اللّه عليه وسلم - ، مع ما شاركت فيه البقعة المكرمة من منعها من الدجال وتلك الفتن العظام . وأنه - صلى اللّه عليه وسلم - أول ما يشفع لأهلها يوم القيامة ، وأن ما كان لها من الوباء والحمى رفع عنها ، وأنه بورك في طعامها وشرابها وأشياء كثيرة ، فكان التفضيل لها بنسبة ما أشرنا إليه أولا ، بأن تردده - صلى اللّه عليه وسلم - في المسجد نفسه أكثر مما في المدينة نفسها ، وتردده - صلى اللّه عليه وسلم - فيما بين المنبر والبيت أكثر مما سواه من سائر المسجد ، فالبحث تأكد بالاعتراض ، لأنه جاءت البركة متناسبة لتكرار تلك الخطوات المباركة ، والقرب من تلك النسمة