الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

602

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

معجزة ، فكان ألم السم يتعاهده إلى أن مات به ، ولذا قال في مرض موته - كما مر - : « ما زالت أكلة خيبر تعادّنى حتى كان الآن قطعت أبهرى » « 1 » . والأبهران : عرقان يخرجان من القلب تتشعب منهما الشرايين ، كما ذكره في الصحاح . قال العلماء : فجمع اللّه له بذلك بين النبوة والشهادة . انتهى . وقد اختلف في محل الوقوف للدعاء . فعند الشافعية أنه قبالة وجهه كما ذكرته ، وقال ابن فرحون من المالكية : اختلف أصحابنا في محل الوقوف للدعاء ، ففي الشفاء قال مالك - في رواية ابن وهب - : إذا سلم على النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - يقف للدعاء ووجهه إلى القبر الشريف لا إلى القبلة ، وقد سأل الخليفة المنصور مالكا فقال : يا أبا عبد اللّه ، أأستقبل القبلة وأدعو ، أم أستقبل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ؟ فقال مالك : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم - عليه السّلام - إلى اللّه يوم القيامة . وقال مالك في « المبسوط » ، لا أرى أن يقف عند القبر يدعو ، ولكن يسلم ويمضى . قال ابن فرحون : ولعل ذلك ليس اختلاف قول ، وإنما أمر المنصور بذلك لأنه يعلم ما يدعو ، ويعلم آداب الدعاء بين يديه - صلى اللّه عليه وسلم - ، فأمن عليه من سوء الأدب فأفتاه بذلك ، وأفتى العامة أن يسلموا وينصرفوا ، لئلا يدعوا تلقاء وجهه الكريم ويتوسلوا به في حضرته إلى اللّه العظيم فيما لا ينبغي الدعاء به ، أو فيما يكره أو يحرم ، فمقاصد الناس وسرائرهم مختلفة ، وأكثرهم لا يقوم بآداب الدعاء ولا يعرفها ، فلذلك أمرهم مالك بالسلام والانصراف . انتهى . ورأيت مما نسب للشيخ تقى الدين بن تيمية في منسكه : ولا يدعو هناك مستقبل الحجرة ، ولا يصلى إليها ولا يقبلها ، فإن هذا كله منهى عنه باتفاق الأئمة ، ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك ، والحكاية المروية عنه أنه أمر المنصور أن يستقبل القبر وقت الدعاء ، كذب على مالك ، وكذا قال ، واللّه أعلم ، انتهى .

--> ( 1 ) تقدم .