الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

590

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وقد أجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور ، كما حكاه النووي ، وأوجبها الظاهرية ، فزيارته - صلى اللّه عليه وسلم - مطلوبة بالعموم والخصوص . لما سبق ، ولأن زيارة القبور تعظيم ، وتعظيمه - صلى اللّه عليه وسلم - واجب . ولهذا قال بعض العلماء : لا فرق في زيارته - صلى اللّه عليه وسلم - بين الرجال والنساء ، وإن كان محل الإجماع على استحباب زيارة القبور للرجال ، وفي النساء خلاف ، والأشهر في مذهب الشافعي الكراهة . قال ابن حبيب من المالكية : ولا تدع زيارة قبره - صلى اللّه عليه وسلم - والصلاة في مسجده ، فإن فيه من الرغبة ما لا غنى بك ولا بأحد عنه . وينبغي لمن نوى الزيارة أن ينوى مع ذلك زيارة مسجده الشريف ، والصلاة فيه ، لأنه أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها ، وهو أفضلها عند مالك ، وليس لشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة فضل ، لأن الشرع لم يجئ به ، وهذا الأمر لا يدخله قياس ، لأن شرف البقعة إنما يعرف بالنص الصريح عليه ، وقد ورد النص في هذه دون غيرها . وقد صح أن عمر بن عبد العزيز كان يبرد البريد للسلام على النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - . فالسفر إليه قربة لعموم الأدلة . ومن نذر الزيارة وجبت عليه . كما جزم به ابن كج من أصحابنا ، وعبارته : إذا نذر زيارة قبر النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - لزمه الوفاء ، وجها واحدا ، انتهى : ولو نذر إتيان المسجد الأقصى للصلاة لزمه ذلك على الأصح عندنا ، وبه قال المالكية والحنابلة ، لكنه يخرج عنه بالصلاة في المسجد الحرام . وصحح النووي أيضا أنه يخرج عنه بالصلاة في مسجد المدينة . قال : ونص عليه الشافعي في البويطي . وبه قال الحنفية والحنابلة . وللشيخ تقى الدين بن تيمية هنا كلام شنيع عجيب « 1 » ، يتضمن منع

--> ( 1 ) قلت : وهل قال ابن تيمية إلا بما قال به الأولون من القرون الثلاثة السابقة ، من كراهة اتخاذ قبره - صلى اللّه عليه وسلم - عيدا أو مكانا يعبد اللّه فيه ، لأحاديثه - صلى اللّه عليه وسلم - ذاته الناهية عن ذلك ، أم نخالفه ونعصى أمره ، ونقع في المحذور الذي حذرنا منه بعبادته دون اللّه كما حدث من أتباع عيسى - عليه السّلام - ونغالى فيه كما غالت الأمم من قبلنا في أنبيائهم وصالحيهم فعبدوهم من دون اللّه .