الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
537
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
تغنيان بغناء يوم بعاث - بضم الموحدة والعين المهملة آخره مثلاثة - اسم حصن للأوس ، وبالمعجمة تصحيف ، أي تنشدان الأشعار التي قيلت يوم بعاث ، وهو حرب كان بين الأنصار ، فاضطجع على الفراش وحول وجهه ، فدخل أبو بكر فانتهرنى وقال : مزمارة الشيطان عند رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فأقبل عليه - صلى اللّه عليه وسلم - وقال : « دعهما » . واستدل جماعة من الصوفية بهذا الحديث على إباحة الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة . وتعقب : بأن في الحديث الآخر عند البخاري عن عائشة : « وليستا بمغنيتين » « 1 » فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ ، لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم وعلى الحداء ، ولا يسمى فاعله مغنيا ، وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق لما فيه من تعريض بالفواحش أو تصريح . قال القرطبي : قولها - يعنى عائشة - : « ليستا بمغنيتين » أي ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك . قال : وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين ، وهو الذي يحرك الساكن ، ويبعث الكامن ، وهذا إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء أو الخمر أو غيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف في تحريمه . قال : وأما ما ابتدعته الصوفية في ذلك فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه ، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير ، حتى لقد ظهرت في كثير منهم فعلات المجانين والصبيان ، حتى رقصوا بحركات متطابقة ، وتقطيعات متلاحقة ، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال ، وأن ذلك يثمر سنىّ الأحوال ، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة . انتهى . والحق : أن السماع إذا وقع بصوت حسن ، بشعر متضمن للصفات العلية ، أو النعوت النبوية المحمدية ، عريّا عن الآلات المحرمة ، والحظوظ
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 952 ) في الجمعة ، باب : سنة العيدين لأهل الإسلام . من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - .