الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
532
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وقوله : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » « 1 » . وقوله : « ما أذن اللّه لشئ كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى القرآن » « 2 » . أي ما استمع اللّه لشئ كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن يتلوه يجهر به ، يقال منه : أذن يأذن أذنا بالتحريك . علمت أن هذا الترجيع منه - صلى اللّه عليه وسلم - كان اختيارا ، لا اضطرارا لهز الناقة له ، فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة لما كان داخلا تحت الاختيار ، فلم يكن عبد اللّه بن مغافل يحكيه ويفعله اختيارا ليتأسى به وهو يرى هذا من هز الراحلة له حتى ينقطع صوته ، ثم يقول : « كان يرجع في قراءته » فنسب الترجيع إلى فعله ، ولو كان من هز الراحلة لم يكن منه فعل يسمى ترجيعا . وقد استمع - صلى اللّه عليه وسلم - ليلة لقراءة أبى موسى الأشعري ، فلما أخبره بذلك قال : لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرا . أي حسنته وزينته بصوتى تزيينا . وهذا الحديث يرد على من قال : إن قوله « زينوا القرآن بأصواتكم » من باب القلب ، أي : زينوا أصواتكم بالقرآن ، فإن القلب لا وجه له . قال ابن الأثير : ويؤيد ذلك تأييدا لا شبهة فيه حديث ابن عباس : أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « لكل شيء حلية ، وحلية القرآن حسن الصوت » « 3 » . واللّه أعلم . وقد اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافا كثيرا يطول ذكره ، وفصل النزاع في ذلك أن يقال : إن التطريب والتغني على وجهين . أحدهما : ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين وتعليم ، بل إذا خلا في ذلك وطبعه ، واسترسلت طبيعته ، جاءت بذلك التطريب والتلحين ، فهذا جائز وإن أعانته طبيعته على فضل تزيين وتحسين ، كما قال أبو موسى للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - : لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا ،
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 7527 ) في التوحيد ، باب : قول اللّه تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به . من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 7482 ) في التوحيد ، باب : قول اللّه تعالى ولا تنفع الشفاعة عنده . . . من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - . ( 3 ) ضعيف : أخرجه عبد الرزاق في الجامع ، والضياء عن أنس ، كما في « ضعيف الجامع » ( 4722 ) .