الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
503
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
الناس به ، ولها من القرب والاختصاص ما ليس لغيرها ، ولأن سياق جابر لحجته - صلى اللّه عليه وسلم - من أولها إلى آخرها أتم سياق ، وأحفظ للقصة وضبطها ، حتى ضبط جزئياتها ، حتى أقرّ منها ما لا يتعلق بالمناسك ، وهو نزوله - صلى اللّه عليه وسلم - في الطريق فبال عند الشعب وتوضأ وضوءا خفيفا ، فمن ضبط هذا القدر فهو لضبط مكان صلاته الظهر يوم النحر أولى ، وأيضا : فإن حجة الوداع كانت في « آذار » وهو تساوى الليل والنهار ، وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى ، وخطب بها الناس ، ونحر بدنة وقسمها ، وطبخ له من لحمها وأكل منه ، ورمى الجمرة ، وحلق رأسه وتطيب ثم أفاض ، وطاف وشرب من ماء زمزم ، ووقف عليهم وهم يسقون ، وهذه أعمال يظهر منها أنها لا تنقضى في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك الظهر في فصل آذار . ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر : بأنه لا يحفظ عنه في حجته - صلى اللّه عليه وسلم - أنه صلى الفرض بجوف مكة ، بل إنما كان يصلى بمنزله بالمسلمين مدة مقامه ، وبأن حديث ابن عمر متفق عليه ، وحديث جابر من إفراد مسلم ، فحديث ابن عمر أصح منه ، فإن رواته أحفظ وأشهر ، وبأن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه ، فروى عنها أنه طاف نهارا ، وفي رواية عنها : أنه أخر الطواف إلى الليل ، وفي رواية عنها : أنه أفاض من آخر يومه ، فلم تضبط فيه وقت الإفاضة ، ولامكان الصلاة . وأيضا : فإن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع ، لأن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به ، ولم يصرح بالسماع ، بل عنعنه ، فلا يقدم على حديث عبد اللّه بن عمر ، انتهى . ثم رجع - صلى اللّه عليه وسلم - إلى منى ، فمكث بها ليالي أيام التشريق ، يرمى الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة ، ويقف عند الأولى والثانية ، فيطيل القيام ويتضرع ، ويرمى الثالثة فلا يقف عندها « 1 » . رواه أبو داود من حديث عائشة . وعن ابن عمر - عند الترمذي - : كان
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 1973 ) في المناسك ، باب : في رمى الجمار . من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - . قال الألبانى : صحيح إلا قوله حين صلى الظهر فهو منكر .