الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
47
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
موسى أنها تسعى لم يكن سعيا ، وإنما كان تخييلا ، وذلك أن عصيهم كانت مجوفة وقد ملئت زئبقا ، وكذلك الحبال كانت من أدم محشوة زئبقا ، وقد حفروا قبل ذلك أسرابا وجعلوا لها آزاجا وملئوها نارا ، فلما طرحت على ذلك الموضع وحمى الزئبق حركا ، لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير ، فلما أثقلته كثافة الحبال والعصى صارت تتحرك بحركته ، فظن من رآها أنها تسعى ، ولم تكن تسعى حقيقة ، انتهى . قال القرطبي : والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرا في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر ، وفي الأبدان بالألم والسقم ، وإنما المنكر أن ينقلب الجماد حيوانا ، أو عكسه ، بسحر الساحر . وقد ثبت في البخاري من حديث عائشة أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - سحر ، حتى إن كان ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله ، حتى إذا كان ذات ليلة عند عائشة دعا ودعا ثم قال : « يا عائشة ، أشعرت أن اللّه أفتاني فيما استفتيته ؟ أتاني رجلان ، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ، فقال أحدهما : ما بال الرجل ؟ قال : مطبوب « 1 » ، قال من طبّه ؟ قال : لبيد بن الأعصم ، قال : في أي شيء ؟ قال : في مشط ومشاقة « 2 » وجف طلع « 3 » نخلة ذكر ، قال : وأين هو ؟ قال : في بئر ذروان « 4 » » ، فأتاه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في ناس من أصحابه ، فجاء فقال : « يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء « 5 » ، وكان رؤوس نخلها رؤوس الشياطين ، فقلت يا رسول اللّه أفلا استخرجته ؟ قال : قد عافاني اللّه ، فكرهت أن أثور على الناس فيه شرّا ، فأمر بها فدفنت » . وفي رواية للبخاري أيضا : « فأتى البئر حتى استخرجه فقال : هذه البئر التي رأيتها » ، قالت عائشة : أفلا
--> ( 1 ) مطبوب : أي مسحور . ( 2 ) المشاقة : ما يسقط من الشعر حين يمشط . ( 3 ) جف الطلعة : وعاء الطلع وغشاؤه إذا جف . ( 4 ) بئر ذروان : بئر في المدينة في بستان لأحد اليهود . ( 5 ) نقاعة الحناء : أي الماء الذي ينقع فيه الحناء ، والحناء معروف ، وهو الذي يتخذ للخضاب .