الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
463
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
الباقين لم تتعارض ، فهب أن أحاديث من ذكرتم لا حجة فيها على القران ولا على الإفراد ، فما الموجب للعدول عن أحاديث الباقين مع صراحتها وصحتها ، فكيف وأحاديثهم يصدق بعضها بعضا ، ولا تعارض بينها . انتهى . وهذا يقتضى رفع الشك عنها والمصير إلى أنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان قارنا ، ومقتضى ذلك أن يكون القران أفضل من الإفراد والتمتع ، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين ، وبه قال الثوري « 1 » وأبو حنيفة وإسحاق بن راهواه واختاره من الشافعية المزنى وابن المنذر ، وأبو إسحاق المروزي ، ومن المتأخرين الشيخ تقى الدين السبكي ، وبحث مع النووي في اختياره أنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان قارنا ، وأن الإفراد مع ذلك أفضل ، مستندا إلى أنه - صلى اللّه عليه وسلم - اختار الإفراد أولا ثم أدخل عليه العمرة لبيان جواز الاعتمار في أشهر الحج لكونهم كانوا يعتقدونه من أفجر الفجور ، وتعقب : بأن البيان قد سبق منه - صلى اللّه عليه وسلم - في عمره الثلاث ، فإنه أحرم بكل منها في ذي القعدة ، وهي عمرة الحديبية التي صد عن البيت فيها ، وعمرة القضية ، وعمرة الجعرانة ، ولو كان أراد باعتماره مع حجته بيان الجواز فقط - مع أن الأفضل خلافه - لاكتفى في ذلك بأمره أصحابه أن يفسخوا حجهم إلى العمرة . انتهى . ومذهب الشافعي ومالك وكثيرين أن أفضلها : الإفراد ، ثم التمتع ، ثم القران ، فإن قلت : إذا كان الراجح أنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان قارنا ، فلم رجح الشافعية والمالكية الإفراد على القران ؟ فقد أجاب عن ذلك النووي في شرح المهذب : بأن ترجيح الإفراد لأنه - صلى اللّه عليه وسلم - اختاره أولا ، فأهلّ بالحج وحده ، وإنما أدخل عليه العمرة لمصلحة بيان جواز الاعتمار في أشهر الحج ، وكانت العرب تعتقده من أفجر الفجور كما ذكرته . وقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم : إلى أن التمتع أفضل ، وهو مذهب أحمد ، لكونه - صلى اللّه عليه وسلم - تمناه ، فقال : « لولا أنى سقت
--> ( 1 ) زيادة من « فتح الباري » المصدر المنقول منه .