الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

422

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وقد اختلف الناس في الوصال لنا ، هل هو جائز أو محرم أو مكروه ؟ فقال طائفة : إنه جائز إن قدر عليه ، وهذا يروى عن عبد اللّه بن الزبير وغيره من السلف ، وكان ابن الزبير يواصل الأيام ، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه كان يواصل خمسة عشر يوما ، وذكر معه من الصحابة أيضا أخت أبي سعيد ، ومن التابعين عبد الرحمن بن أبي معمر ، وعامر بن عبد اللّه بن الزبير ، وإبراهيم بن يزيد التيمي ، وأبا الجوزاء ، كما نقله أبو نعيم في الحلية . ومن حجتهم أنه - صلى اللّه عليه وسلم - واصل بأصحابه بعد النهى ، فلو كان النهى للتحريم لما أقرهم على فعله ، فعلم أنه أراد بالنهى الرحمة لهم والتخفيف عنهم ، كما صرحت به عائشة في حديثها ، فمن لم يشق عليه ولم يقصد موافقته أهل الكتاب في تأخيرهم الفطر . ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال . ومن أدلة الجواز أيضا : إقدام الصحابة عليه بعد النهى ، فدل على أنهم فهموا أن النهى للتنزيه لا للتحريم ، وإلا لما قدموا عليه . وقال الأكثرون : لا يجوز الوصال ، وبه قال مالك وأبو حنيفة ، ونص الشافعي وأصحابه على كراهته ، ولهم في هذه الكراهة وجهان : أصحهما : أنها كراهة تحريم ، والثاني : أنها كراهة تنزيه . واختار ابن وهب وأحمد بن حنبل وإسحاق جواز الوصال إلى السحر ، لحديث أبي سعيد عند البخاري : « عنه - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا تواصلوا ، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر » « 1 » ، وهذا الوصال لا يترتب عليه شيء مما يترتب على غيره ، لأنه في الحقيقة بمنزلة عشائه ، إلا أنه يؤخره ، لأن الصائم له في اليوم والليلة أكلة ، فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره ، وكان أخف لجسمه في قيام الليل ، ولا يخفى أن محل ذلك ما لم يشق على الصائم ، وإلا فلا يكون قربة . وقد صرح في الحديث بأن الوصال من خصائصه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : « إني

--> ( 1 ) أخرجه الدارمي ( 1705 ) في الصوم ، باب : النهى عن الوصال في الصوم . من حديث أبي سعيد الخدري - رضى اللّه عنه - .