الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
410
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وروى أنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان يقول إذا دخل شهر رمضان : « اللهم سلمني من رمضان ، وسلم رمضان لي ، وسلمه منى » « 1 » أي : سلمني منه حتى لا يصيبني فيه ما يحول بيني وبين صومه من مرض أو غيره . وسلمه لي : حتى لا يغم هلاله على في أوله وآخره ، فيلتبس علىّ الصوم والفطر ، وسلمه منى : أن تعصمني من المعاصي فيه . وهذا منه - صلى اللّه عليه وسلم - تشريع لأمته . الفصل الثاني في صيامه ص برؤية الهلال عن عائشة ( كان - صلى اللّه عليه وسلم - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ، ثم يصوم لرؤية رمضان ، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام ) « 2 » . رواه أبو داود . قوله : « فإن غم عليكم » أي : حال بينكم وبينه غيم . « فاقدروا له » من التقدير ، أي : قدروا له تمام العدد ثلاثين يوما ، ويؤيده قوله في الرواية السابقة : « فإن غم عليه - صلى اللّه عليه وسلم - عد ثلاثين » وهو مفسر ل « اقدروا له » ولهذا لم يجتمعا في رواية . ويؤكده رواية « فاقدروا له ثلاثين » « 3 » . قال المازري : حمل جمهور الفقهاء قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « اقدروا » على أن المراد إكمال العدة ثلاثين كما فسره في حديث آخر ، قالوا : ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين ، لأن الناس لو كلفوا به لضاق عليهم ، لأنه لا يعرفه إلا الأفراد ، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم . انتهى . وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة ، وجمهور السلف والخلف .
--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في الدعاء ، والديلمي وسنده حسن ، عن عبادة بن الصامت كما في « كنز العمال » ( 24277 ) . ( 2 ) صحيح : أخرجه أبو داود ( 2325 ) في الصوم ، باب : إذا غمى عليكم . من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن أبي داود » . ( 3 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 1080 ) في الصيام ، باب : وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال . من حديث ابن عمر - رضى اللّه عنهما - .