الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
408
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
الشهور ، وكان جوده - صلى اللّه عليه وسلم - يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور ، كما أن جود ربه تعالى يتضاعف فيه أيضا ، فإن اللّه تعالى جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة . وفي حديث ابن عباس عند الشيخين ، قال : ( كان النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - أجود الناس ، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن ، فلرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة ) « 1 » . فبمجموع ما ذكر في هذا الحديث من الوقت وهو شهر رمضان ، والمنزل وهو القرآن ، والنازل به وهو جبريل ، والمذاكرة وهي مدارسة القرآن ، حصل له - صلى اللّه عليه وسلم - المزيد في الجود . والمرسلة : المطلقة ، يعنى أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح ، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة ، إلى عموم النفع بجوده - صلى اللّه عليه وسلم - ، كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه . ووقع عند الإمام أحمد في آخر هذا الحديث ( لا يسأل شيئا إلا أعطاه ) . وتقدم في ذكر سخائه - صلى اللّه عليه وسلم - مزيد لذلك . وقد كان ابتداء نزول القرآن في شهر رمضان ، وكذا نزوله إلى سماء الدنيا جملة واحدة ، فكان جبريل - عليه الصلاة والسلام - يتعاهده - صلى اللّه عليه وسلم - في كل سنة ، فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان ، فلما كان العام الذي توفى فيه - صلى اللّه عليه وسلم - عارضه به مرتين « 2 » ، كما ثبت في الصحيح عن فاطمة - رضى اللّه عنها - . قال في فتح الباري : وفي معارضة جبريل النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - بالقرآن في شهر رمضان حكمتان ، إحداهما : تعاهده ، والأخرى : تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ ، فكان رمضان ظرفا لإنزاله جملة وتفصيلا وعرضا وإحكاما .
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 6 ) في بدء الوحي ، باب : بدء الوحي ، ومسلم ( 2308 ) في الفضائل ، باب : كان النبيّ أجود الناس بالخير من الريح المرسلة . من حديث ابن عباس - رضى اللّه عنهما - . ( 2 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 2450 ) في فضائل الصحابة ، باب : فضائل فاطمة بنت النبيّ . من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - .