الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

370

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ولا شيء مما يأكل الناس عندنا * سوى الحنظل العامي والعلهز الغسل وليس لنا إلا إليك فرارنا * وأين فرار الناس إلا إلى الرسل فقام - صلى اللّه عليه وسلم - يجر رداءه ، حتى صعد المنبر ، فرفع يديه إلى السماء ثم قال : « اللهم اسقنا غيثا مغيثا مربعا غدقا طبقا نافعا غير ضار ، عاجلا غير رائث ، تملأ به الضرع وتنبت به الزرع ، وتحيى به الأرض بعد موتها » قال : فما رد - صلى اللّه عليه وسلم - يديه إلى نحره حتى ألقت السماء بأبراقها ، وجاء أهل البطانة يضجون : الغرق الغرق ، فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « حوالينا ولا علينا » فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل . وضحك - صلى اللّه عليه وسلم - حتى بدت نواجذه ، ثم قال : « للّه در أبى طالب ، لو كان حيّا لقرت عيناه . من ينشدنا قوله ؟ » فقال على : يا رسول اللّه كأنك تريد قوله : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل تطيف به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم وبيت اللّه نبزى محمدا * ولما نطاعن حوله ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل فقال : « أجل » رواه البيهقي . وقوله : « يدمى لبانها » أي يدمى صدرها لامتهانها نفسها في الخدمة حيث لا تجد ما تعطيه من يخدمها من الجدب وشدة الزمان ، وأصل اللبان من الفرس موضع اللبب ثم استعير للناس . وقوله : « ما يمر وما يحلى » أي ما ينطق بخير ولا بشر من الجوع والضعف . وقوله : « سوى الحنظل العامي » نسبة إلى العام ، لأنه يتخذ في عام الجدب ، كما قالوا للجدب : السنة . « والعلهز » بالكسر ، طعام كانوا يتخذونه من الدم ووبر البعير في سنى المجاعة . قاله الجوهري . و « الغسل » الرذل ، قال السهيلي : فإن قلت : كيف قال أبو طالب « وأبيض يستسقى الغمام بوجهه » ولم يره قط يستسقى ، وإنما كان ذلك منه بعد الهجرة ؟