الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

349

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وإذا علمت هذا فاعلم أن للمؤمنين في هذه الدار ثلاثة أعياد ، عيد يتكرر كل أسبوع ، وعيدان يأتيان في كل عام مرة من غير تكرار في السنة . فأما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة ، وهو عيد الأسبوع ، وهو مترتب على إكمال الصلوات المكتوبات من اللّه تعالى فشرع لهم فيه عيدا . وأما العيدان اللذان لا يتكرران في كل عام ، وإنما يأتي كل واحد منهما في العام مرة واحدة . فأحدهما : عيد الفطر من صوم رمضان ، وهو مرتب على إكمال صيام رمضان ، وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه ، فإذا أكمل المسلمون صيام شهر رمضان المفروض عليهم استوجبوا من اللّه المغفرة والعتق من النار ، فإن صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنب ، وآخره عتق من النار يعتق اللّه فيه من النار من استحقها بذنوبه ، فشرع اللّه تعالى لهم عقب صيامهم عيدا يجتمعون فيه على شكر اللّه تعالى وذكره وتكبيره على ما هداهم له ، وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة ، وهو يوم الجوائز يستوفى فيه الصائمون أجر صيامهم ويرجعون بالمغفرة . والعيد الثاني عيد النحر : وهو أكبر العيدين وأفضلهما ، وهو مرتب على إكمال الحج وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه ، فإذا أكمل المسلمون حجهم غفر لهم ، وإنما يكمل الحج بيوم عرفة ، فإن الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم ، ويوم عرفة هو يوم العتق من النار ، فيعتق اللّه فيه من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين ، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم ، من شهد الموسم منهم ومن لم يشهد ، لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة ، وشرع للجميع التقرب إليه تعالى بالنسك بإراقة دماء ضحاياهم ، فيكون ذلك اليوم شكرا منهم لهذه النعمة ، والصلاة والنحر الذي يجتمع في عيد النحر أفضل من الصلاة والصدقة في عيد الفطر ، ولهذا أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يجعل شكره لربه على إعطائه الكوثر أن يصلى لربه وينحر . وقد ضحى - صلى اللّه عليه وسلم - بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر .