الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
288
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وقالت عائشة : قام - صلى اللّه عليه وسلم - حتى تورمت قدماه ، وفي رواية : حتى تفطرت قدماه ، فقلت : لم تصنع هذا يا رسول اللّه ، وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : « أفلا أكون عبدا شكورا » قالت : فلما بدن وكثر شحمه - صلى اللّه عليه وسلم - صلى جالسا ، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع « 1 » . رواه البخاري ومسلم . والفاء في قوله : « أفلا أكون » للسببية ، وهي عن محذوف تقديره : أأترك تهجدى ؟ فلا أكون عبدا شكورا ، والمعنى : إن المغفرة سبب لكون التهجد شكرا ، فكيف أتركه ؟ قال ابن بطال : في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة ، وإن أضر ذلك ببدنه ، لأنه إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له ، فكيف بمن لا يعلم ، فضلا عمن لم يأمن أنه استحق النار . انتهى . ومحل ذلك - كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري - ما لم يفض ذلك إلى الملال ، لأن حال النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - كانت أكمل الأحوال ، فكان لا يمل من عبادة ربه ، وإن أضر ذلك ببدنه ، بل صح أنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « وجعلت قرة عيني في الصلاة » « 2 » كما أخرجه النسائي من حديث أنس ، فأما غيره - صلى اللّه عليه وسلم - فإذا خشي الملل ينبغي له أن لا يكد نفسه ، وعليه يحمل قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « خذوا من الأعمال ما تطيقون ، فإن اللّه لا يمل حتى تملوا » « 3 » انتهى . لكن ربما دست النفس أو الشيطان على المجتهد في العبادة بمثل ما ذكر ،
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 4837 ) في التفسير ، باب : ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ، ومسلم ( 2820 ) في صفة القيامة والجنة والنار ، باب : إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة ، من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - . ( 2 ) صحيح : أخرجه النسائي ( 7 / 61 ) في عشرة النساء ، باب : حب النساء . من حديث أنس ابن مالك - رضى اللّه عنه - ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن النسائي » . ( 3 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 5862 ) في اللباس ، باب : الجلوس على الحمير ونحوه ، ومسلم ( 782 ) في الصيام ، باب : صيام النبيّ في غير رمضان ، من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - .