الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
280
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وعن عمرو أن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - خطب يوما فقال : « ألا إن الدنيا عرض حاضر ، يأكل منها البر والفاجر ، ألا وإن الآخرة أجل صادق يقضى فيها ملك قادر ، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة ، ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار ، ألا فاعملوا وأنتم من اللّه على حذر ، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم ، فمن يعمل مثقال ذره خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرّا يره » . رواه الشافعي ، وعند أبي نعيم في الحلية نحوه . واختلف : هل يجب الإنصات ، ويمنع من جميع أنواع الكلام حال الخطبة ، أم لا . وعن الشافعي في المسألة قولان مشهوران ، وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا ؟ فعلى الأول يحرم ، لا على الثاني ، والثاني هو الأرجح عندهم ، فمن ثم أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام ، حتى شنع من شنع عليهم من المخالفين . وعن أحمد أيضا روايتان . وعنهما أيضا : التفرقة بين من يسمع الخطبة وبين من لا يسمعها . وأغرب ابن عبد البر فنقل الإجماع على وجوب الإنصات على من سمعهما إلا عن قليل من التابعين . ودخل سليك الغطفاني ، وهو - صلى اللّه عليه وسلم - يخطب ، فقال له - صلى اللّه عليه وسلم - : « صليت ؟ » قال : لا ، قال : « قم فاركع ركعتين » « 1 » . رواه البخاري ومسلم وأبو داود . واستدل به على أن الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد . وتعقب : بأنها واقعة عين لا عموم لها ، فيحتمل اختصاصها بسليك ، ويدل عليه قوله في حديث أبي سعيد - عند أهل السنن - : جاء رجل - والنبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - يخطب - في هيئة بذة ، فقال له : « أصليت ؟ » قال : لا ، قال : « صل
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 930 ) في الجمعة ، باب : إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب أمره أن يصلى ، ومسلم ( 875 ) في الجمعة ، باب : التحية والإمام يخطب . من حديث جابر بن عبد اللّه ، وليس فيه اسم الرجل الذي دخل ، قال النووي في الإشارات : قال الخطيب : الرجل : سليك الغطفاني ، وقيل : النعمان بن قوقل .