الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
224
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وقوله : « دقه وجله » بكسر أولهما ، أي قليله وكثيره . وعن عائشة قالت : فقدت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ليلة من الفراش ، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في السجود ، وهما منصوبتان ، وهو يقول : « اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » رواه مسلم . قال الخطابي : في هذا الحديث معنى لطيف ، وذلك أنه - صلى اللّه عليه وسلم - استعاذ باللّه وسأله أن يجيره برضاه من سخطه ، وبمعافاته من عقوبته ، والرضا والسخط ضدان متقابلان ، وكذلك المعافاة والمعاقبة ، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو اللّه تعالى استعاذ به منه ، ومعناه : الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه . وقوله : « لا أحصى ثناء عليك » أي لا أطيقه ولا آتى عليه ، وقيل : لا أحيط به ، وقال مالك : لا أحصى نعمتك وإحساناتك والثناء بهما عليك وإن اجتهدت في الثناء عليك . وقوله : « أنت كما أثنيت على نفسك » اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء ، فإنه لا يقدر على بلوغ حقيقته ، ورد الثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين ، فوكل ذلك كله للّه تعالى المحيط بكل شيء جملة وتفصيلا ، وكما أنه لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه ، لأن الثناء تابع للمثنى عليه ، فكل شيء أثنى به عليه - وإن كثر وطال وبولغ فيه - فقدر اللّه أعظم وسلطانه أعز ، وصفاته أكثر وأكبر ، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ . انتهى . وهاهنا فائدة لطيفة ذكرها بعض المحققين ، في نهيه - صلى اللّه عليه وسلم - عن قراءة القرآن في الركوع والسجود « 2 » ، وهي أن القرآن أشرف الكلام ، وحالتا الركوع
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 486 ) في الصلاة ، باب : ما يقال في الركوع والسجود . ( 2 ) صحيح : والحديث الدال على ذلك أخرجه مسلم ( 479 ) في الصلاة ، باب : النهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود ، من حديث ابن عباس - رضى اللّه عنهما - .