الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

216

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وأما حديث جابر بن سمرة ففيه سعد بن السماك وهو متروك ، والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب . واعتمد بعض أصحابنا وغيرهم حديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة قال : ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من فلان ، قال سليمان : فكان يقرأ في الصبح بطوال المفصل ، وفي المغرب بقصار المفصل « 1 » . رواه النسائي ، وصححه ابن خزيمة وغيره . وهذا يشعر بالمواظبة على ذلك ، لكن في الاستدلال به نظر ، نعم حديث رافع أنهم كانوا ينتضلون « 2 » بعد صلاة المغرب يدل على تخفيف القراءة فيها . وطريق الجمع بين هذه الأحاديث : أنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان أحيانا يطيل القراءة في المغرب ، إما لبيان الجواز ، وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين ، وليس في حديث جبير دليل على أن ذلك تكرر منه ، وأما حديث زيد بن ثابت ففيه إشعار بذلك لكونه أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل ، ولو كان مروان يعلم أن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - واظب على ذلك لاحتج به على زيد ، لكن لم يرد زيد منه - فيما يظهر - المواظبة على القراءة بالطوال ، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - . وفي حديث أم الفضل إشعاره بأنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان يقرأ في الصحة بأطول من المرسلات ، لكونه كان في حال شدة مرضه ، وهو مظنة التخفيف . وهو يرد على أبى داود ادعاء نسخ التطويل في المغرب ، لأنه روى عقب حديث زيد بن ثابت من طريق عروة أنه كان يقرأ في المغرب بالقصار قال : وهذا يدل على نسخ حديث زيد ولم يبين وجه الدلالة . وكيف تصح دعوى النسخ وأم

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه النسائي ( 2 / 167 ) في الافتتاح ، باب : تخفيف القيام والقراءة ، باب : القراءة في المغرب بقصار المفصل ، وأحمد في « المسند » ( 2 / 532 ) ، وابن حبان ( 1837 ) ، وابن خزيمة ( 520 ) في « صحيحيهما » بسند صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن النسائي » . ( 2 ) ينتضلون : أي يلعبون بالنضال ، وهي السهام ، وفي رواية « يتنضلون » ، ورجح الزرقاني في الشرح الرواية الأولى .