الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

17

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وحكى ابن القيم : أنه ورد في خبر إسرائيلي ، أن الخليل - عليه الصلاة والسلام - قال : يا رب ممن الداء ؟ قال : منى ، قال : فممن الدواء ؟ قال : منى . قال : فما بال الطبيب ؟ قال : رجل أرسل الدواء على يديه . قال : وفي قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « لكل داء دواء » تقوية لنفس المريض والطبيب ، وحث على طلب ذلك الدواء ، والتفتيش عليه ، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء ، وبرد من حرارة اليأس ، وانفتح له باب الرجاء ، وقويت نفسه وانبعثت حرارته الغريزية ، وكان ذلك سببا لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية ، ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى التي هي حاملة لها ، فقهرت المرض ودفعته . انتهى . فإن قلت : ما المراد بالإنزال في قوله في الأحاديث السابقة « إلا أنزل له دواء » وفي الرواية الأخرى « شفاء » فالجواب : أنه يحتمل أن يكون عبر بالإنزال عن التقدير ، ويحتمل أن يكون المراد إنزال علم ذلك على لسان الملك للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - . وأين يقع طب حذاق الأطباء ، الذي غايته أن يكون مأخوذا من قياس أو مقدمات وحدس وتجربة ، من الوحي الذي يوحيه اللّه تعالى إلى رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - بما ينفعه ويضره ، فنسبة ما عند حذاق الأطباء من الطب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاء به - صلى اللّه عليه وسلم - . بل هاهنا من الأدوية التي تشفى من الأمراض ما لم تهتد إليها عقول أكابر الأطباء ، ولم تصل إليها علومهم وتجربتهم وأقيستهم من الأدوية القلبية والروحانية ، وقوة القلب ، واعتماده على اللّه تعالى والتوكل عليه والانكسار بين يديه ، والصدقة والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار ، والإحسان إلى الخلق والتفريج عن المكروب . فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها ، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء ، وقد جربت ذلك - واللّه - مرات ، فوجدته يفعل ما لا تفعله الأدوية الحسية .