الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

156

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

قال : أما التلفظ بالنية فلا نعلم أنه روى عنه - صلى اللّه عليه وسلم - ، وأما كونه أتى بها فقد قال الإمام فخر الدين الرازي في « المعالم » : اعلم أنا إذا أردنا أن نقول في أمر من الأمور : هل فعله الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ؟ قلنا في إثباته طرق : الأول : أنا إذا أردنا أن نقول إنه - صلى اللّه عليه وسلم - توضأ مع النية والترتيب ، قلنا : لا شك أن الوضوء مع النية والترتيب أفضل ، والعلم الضروري حاصل بأن أفضل الخلق لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره ، فثبت أنه أتى بالوضوء المرتب المنوى ، ولم يثبت عندنا أنه أتى بالوضوء العاري عن النية والترتيب ، والشك لا يعارض اليقين ، فثبت أنه أتى بالوضوء المرتب المنوى ، فوجب أن يجب علينا مثله . والطريق الثاني : أن نقول : لو أنه - صلى اللّه عليه وسلم - ترك النية والترتيب وجب علينا تركه للدلائل الدالة على وجوب الاقتداء به ، ولما لم يجب علينا تركه ثبت أنه ما تركه ، بل فعله . وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عمر مرفوعا « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » « 1 » . قال البخاري : « فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام » . وأشار بذكر الوضوء إلى خلاف من لم يشترط فيه النية ، كما نقل عن الأوزاعي وأبي حنيفة وغيرهما . وحجتهم : أنه ليس عبادة مستقلة ، بل وسيلة إلى عبادة كالصلاة . ونوقضوا بالتيمم ، فإنه وسيلة ، وقد اشترط الحنفية فيه النية . واستدل الجمهور على اشتراط النية في الوضوء بالأدلة الصحيحة المصرحة بوعد الثواب عليه فلا بد من قصد يميزه ليحصل الثواب الموعود به . وقوله : « إنما الأعمال بالنيات » ليس المراد منه نفى ذات العمل لأنه قد يوجد بغير نية ، بل المراد نفى أحكامها كالصحة والكمال . ولكن الحمل على نفى الصحة أولى لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه ، ولأن اللفظ دل على نفى الذات بالصريح وعلى نفى الصفات بالتبع ، فلما منع الدليل نفى الذات بقيت دلالته على نفى الصفات مستمرة .

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 1 ) في بدء الوحي ، باب : بدء الوحي ، ومسلم ( 1907 ) في الإمارة ، باب : قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « إنما الأعمال بالنية » .