الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

152

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ولا يلتفت إلى ما يظنه بعض المنتسبين إلى التصوف حيث قال : « القرب الحقيقي ينقل العبد من الأعمال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة ويريح الجسد والجوارح من كد العمل » . زاعما بذلك سقوط التكليف عنه . وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا ، حيث عطلوا العبودية وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة ، التي هي أماني النفس وخدع الشيطان . فلو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال ذرة ما دام قادرا عليه . وقد اختلف العلماء : هل كان - صلى اللّه عليه وسلم - قبل بعثته متعبدا بشرع من قبله أم لا ؟ فقال جماعة : لم يكن متعبدا بشيء ، وهو قول الجمهور ، واحتجوا بأنه لو كان كذلك لنقل ، ولما أمكن كتمه وستره في العادة ، إذ كان من مهم أمره ، وأولى ما اهتبل به من سيرته ، ولفخر به أهل تلك الشريعة ولاحتجوا به عليه ، ولم يؤثر بشيء من ذلك . وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك عقلا ، قالوا : لأنه يبعد أن يكون متبوعا من عرف تابعا . والتعليل الأول المستند إلى النقل أولى . وذهب آخرون إلى الوقف في أمره - صلى اللّه عليه وسلم - وترك قطع الحكم عليه بشيء من ذلك ، إذ لم يحل الوجهين منها العقل ، وهذا مذهب الإمام أبى المعالي إمام الحرمين وكذا الغزالي والآمدي . وقال آخرون : كان عاملا بشرع من قبله . ثم اختلفوا : هل يتعين ذلك الشرع أم لا ؟ فوقف بعضهم عن التعيين وأحجم ، وجسر بعضهم على التعيين وصمم ، ثم اختلفت هذه المعينة فيمن كان يتبع فقيل نوح ، وقيل إبراهيم ، وقيل موسى ، وقيل عيسى . فهذه جملة المذاهب في هذه المسألة . والأظهر فيها ما ذهب إليه القاضي أبو بكر ، وأبعدها مذاهب التعيين ، إذ لو كان شيء من ذلك لنقل - كما قدمناه - ولم يخف جملة ، ولا حجة لهم في أن عيسى - عليه السّلام - آخر الأنبياء