الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
15
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
برئ بإذن اللّه تعالى » « 1 » . فالشفاء متوقف على إصابة الدواء بالداء بإذن اللّه تعالى . وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجح ، بل ربما أحدث داء آخر . وفي رواية على عند الحميدي في كتابه المسمى بطب أهل البيت : ما من داء إلا وله دواء ، فإذا كان كذلك بعث اللّه عز وجل ملكا ومعه ستر فجعله بين الداء والدواء ، فكلما شرب المريض من الدواء لم يقع على الداء ، فإذا أراد برأه أمر الملك فرفع الستر ، ثم يشرب المريض الدواء فينفعه اللّه تعالى به . وفي حديث ابن مسعود رفعه : « إن اللّه لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء ، علمه من علمه ، وجهله من جهله » « 2 » رواه أبو نعيم وغيره . وفيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد . وأما قوله « لكل داء دواء » فيجوز أن يكون على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة ، والأدواء التي لا يمكن طبيب معرفتها ، ويكون اللّه قد جعل لها أدوية تبرئها ، ولكن طوى علمها عن البشر ، ولم يجعل لهم إليها سبيلا ، لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم اللّه . ولهذا علق - صلى اللّه عليه وسلم - الشفاء على مصادفة الدواء للداء ، وقد يقع لبعض المرضى أنه يتداوى من دائه بدوائه فيبرأ ، ثم يعتريه بعد ذلك الداء ، والدواء بعينه فلا ينجح ، والسبب في ذلك الجهل بصفة من صفات الدواء ، فرب مرضين تشابها ، ويكون أحدهما مركبا ، لا ينجح فيه ما ينجح في الذي ليس مركبا ، فيقع الخطأ من هناك ، وقد يكون متحدا لكن يريد اللّه أن لا ينجح ، وهنا تخضع رقاب الأطباء . وفي مجموع ما ذكرناه من الأحاديث الإشارة إلى إثبات الأسباب ، وأن ذلك لا ينافي التوكل ، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب ، وكذلك تجنب المهلكات ، والدعاء بطلب الشفاء ودفع المضار وغير ذلك . وقد سئل الحارث المحاسبي في كتاب « القصد » من تأليفه : هل يتداوى المتوكل ؟
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 2204 ) في السلام ، باب : لكل داء دواء ، واستحباب التداوي . ( 2 ) صحيح : حديث ابن مسعود قد تقدم ، إلا أن صاحب الجامع الصغير عزاه للحاكم من حديث أبي سعيد ، وقال الشيخ الألبانى في « صحيح الجامع » ( 1809 ) : صحيح .