الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

128

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ « 1 » الآية . هذا وعد من اللّه لرسوله بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض ، وأئمة الناس والولاة عليهم ، وبهم تصلح البلاد ، وتخضع لهم العباد ، وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم ، وقد فعل تعالى ذلك وللّه الحمد والمنة ، فإنه لم يمت - صلى اللّه عليه وسلم - حتى فتح اللّه عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها ، وأخذ الجزية من مجوس هجر ، ومن بعض أطراف الشام ، وهاداه هرقل ملك الروم ، وصاحب مصر والإسكندرية وهو المقوقس ، وملوك عمان ، والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة - رحمه اللّه - . ثم لما مات رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - واختار اللّه له ما عنده من الكرامة ، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق - رضى اللّه عنه - فلمّ شعث ما وهي عند موته - صلى اللّه عليه وسلم - ووطد جزيرة العرب ومهدها ، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ففتحوا طرفا منها ، وجيشا آخر صحبة أبى عبيدة إلى أرض الشام ، وجيشا ثالثا صحبة عمرو بن العاص إلى بلاد مصر ، ففتح اللّه للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفها من بلاد حوران وما والاها . وتوفاه اللّه تعالى واختار له ما عنده . ومنّ على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق . فقام في الأمر بعده قياما تامّا ، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيره وكمال عدله ، وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها ، وديار مصر إلى آخرها ، وأكثر إقليم فارس ، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته ، وقصر قيصر وانتزاع يده من بلاد الشام ، فانحاز إلى قسطنطينية ، وأنفق أموالهما في سبيل اللّه ، كما أخبر بذلك ووعد به رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « 2 » .

--> ( 1 ) سورة النور : 55 . ( 2 ) يشير إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ( 3028 ) في الجهاد والسير ، باب : الحرب خدعة ، ومسلم ( 2918 ) في الفتن وأشراط الساعة ، باب : لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء ، من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - بلفظ : « إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ، والذي نفس محمد بيده ، لتنفقن كنوزهما في سبيل اللّه » صدقت يا رسول اللّه .