الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
124
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
ومن ذلك ، ما رواه البخاري عن أم العلاء ، وهي امرأة من نسائهم ، بايعت رسول اللّه : وأريت لعثمان بن مظعون بعد موته في النوم عينا تجرى ، فجئت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فذكرت ذلك له ، فقال : « ذاك عمله يجري له » « 1 » . وقد قيل : يحتمل أنه كان لعثمان شيء من عمله بقي له ثوابه جاريا كالصدقة ، وأنكره مغلطاى وقال : لم يكن له شيء من الأمور الثلاثة التي ذكرها مسلم في حديث أبي هريرة رفعه : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث » « 2 » . وتعقبه شيخ الحفاظ ابن حجر : بأنه كان له ولد صالح شهد بدرا وما بعدها ، وهو السائب ، مات في خلافة أبى بكر ، فهو أحد الثلاث . قال : وقد كان عثمان من الأغنياء ، فلا يبعد أن يكون له صدقة استمرت بعد موته . وقال المهلب : العين الجارية تحتمل وجوها ، فإن كان ماؤها صافيا عبرت بالعمل الصالح ، وإلا فلا . وقال غيره : العين الجارية عمل جار من صدقة أو معروف لحى أو ميت . وقال آخر : عين الماء نعمة وبركة وخير ، وبلوغ أمنية إن كان صاحبها مستورا ، فإن كان غير عفيف أصابته مصيبة يبكى لها أهل داره ، واللّه أعلم . فهذا طرف من تعبيره - صلى اللّه عليه وسلم - ، يهدى إلى غيره مما يشبهه ، وإلا فالذي نقل عنه - صلى اللّه عليه وسلم - من غرائب التأويل ، ولطائف التعبير - كما قاله ابن المنير - لا تحصره المجلدات . وأنت إذا تأملت أن كل كرامة أوتيها واحدة من هذه الأمة في علم أو عمل ، هي من آثار معجزة نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - ، وسر تصديقه ، وبركات طريقه ، وثمرات الاهتداء بهديه وتوفيقه ، واستحضرت ما أوتيه الإمام محمد بن سيرين من لطائف التعبير ، مما شاع وذاع ، وامتلأت به الأسماع ، طبق الأرض صدقا وصوابا ، وعجبا عجابا ، بل بحرا عبابا ، قضيت بأن ما منحه - صلى اللّه عليه وسلم -
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 2687 ) في الشهادات ، باب : القرعة في المشكلات . ( 2 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 1631 ) في الوصية ، باب : ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته .