الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

12

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط ومواد المرض ، وهو لا يستفرغها ولا يحتمى لها ، كيف تكون صحته وبقاؤه ، وقد أحسن القائل : جسمك بالحمية حصنته * مخافة من ألم طارئ وكان أولى بك أن تحتمى * من المعاصي خشية النار فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر ، واستعمل الحمية باجتناب النواهي ، واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح ، لم يدع للخير مطلبا ، ولا للشر مهربا ، وفي حديث أنس : « ألا أدلكم على دائكم ودوائكم ، ألا إن داءكم الذنوب ، ودواءكم الاستغفار » « 1 » . فقد ظهر لك أن طب القلوب ومعالجتها لا سبيل إلى معرفته إلا من جهة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بواسطة الوحي . وأما طب الأجساد فغالبه يرجع إلى التجربة . ثم هو نوعان : نوع لا يحتاج إلى فكر ونظر ، بل فطر اللّه على معرفته الحيوانات ، مثل ما يدفع الجوع والعطش والبرد والتعب ، وهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب . ونوع يحتاج إلى الفكر والنظر ، كدفع ما يحدث في البدن مما يخرجه عن الاعتدال ، وهو إما حرارة أو برودة ، وكل منهما : إما إلى رطوبة أو يبوسة ، أو إلى ما يتركب منهما ، وغالب ما يقاوم الواحد منها بضده ، والدفع قد يقع من خارج البدن ، وقد يقع داخله وهو من أعسرهما ، والطريق إلى معرفته بتحقيق السبب والعلامة . فالطبيب الحاذق هو الذي يسعى في تفريق ما يضر بالبدن جمعه ، أو عكسه ، وفي تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه ، ومدار ذلك على ثلاثة أشياء : حفظ الصحة . والاحتماء عن المؤذى واستفراغ المادة الفاسدة . وقد أشير إلى الثلاثة في القرآن : فالأول : في قوله تعالى : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ

--> ( 1 ) ضعيف : أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس ، كما في « كنز العمال » ( 2092 ) .