الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
100
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وأجيب : بأنه لم يرد أنها نبوة باقية ، وإنما أراد أنها أشبهت النبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن تكلم فيها بغير علم ، فليس المراد أن الرؤيا الصالحة نبوة ، لأن المراد تشبيه الرؤية بالنبوة ، وجزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه ، كمن قال : أشهد أن لا إله إلا اللّه رافعا صوته لا يسمى مؤذنا ، وفي حديث أم كرز الكعبية عند أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان : « ذهبت النبوة وبقيت المبشرات » « 1 » . وعند أحمد من حديث عائشة مرفوعا : « لم يبق بعدى من المبشرات إلا الرؤيا » « 2 » وفي حديث ابن عباس عند مسلم وأبى داود : أنه - صلى اللّه عليه وسلم - كشف الستارة ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه ، والناس صفوف خلف أبى بكر فقال : « يا أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم ، أو ترى له » « 3 » ، والتعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب ، فإن من الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها اللّه للمؤمن رفقا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه . وقوله : « من الرجل الصالح » لا مفهوم له ، فإن المرأة الصالحة كذلك ، وحكى ابن بطال الاتفاق عليه . وقوله : « جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » كذا في أكثر الأحاديث . وروى مسلم من حديث أبي هريرة « جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة » « 4 » ، وعنده أيضا من حديث ابن عمر « جزء من سبعين جزءا » « 5 » ، وعند الطبراني : « جزء من ستة وسبعين » « 6 » ، وسنده
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه ابن ماجة ( 3896 ) في تعبير الرؤيا ، باب : الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ، وأحمد في « المسند » ( 6 / 381 ) ، وابن حبان في « صحيحه » ( 6047 ) ، ولم أجده في الجزء المطبوع من صحيح ابن خزيمة ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن ابن ماجة » . ( 2 ) صحيح : أخرجه أحمد في « المسند » ( 6 / 829 ) بسند صحيح . ( 3 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 479 ) في الصلاة ، باب : النهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود ، وأبو داود ( 876 ) في الصلاة ، باب : في الدعاء في الركوع والسجود . ( 4 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 2263 ) ( 6 ) في الرؤيا . ( 5 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 2265 ) في الرؤيا . ( 6 ) ضعيف : أخرجه الطبراني في « الكبير » ( 10 / 223 ) ، من حديث ابن مسعود - رضى اللّه عنه - ، بسند فيه الركين ، هو : الربيع بن سهل الفزاري ، ضعيف الحديث .