الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

95

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وأبعد عن مماسة البول . وقال حذيفة : أتى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - سباطة قوم فبال قائما ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ « 1 » . رواه البخاري . وفي رواية غيره : بال قائما ففجع رجليه ، أي : فرقهما وباعد ما بينهما . والسباطة - بضم المهملة وبعدها موحدة - هي المزبلة والكناسة تكون بفناء الدور مرفقا لأهلها ، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل ، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك لأنها لا تخلو عن النجاسة . وبهذا يندفع إيراد من استشكله لكون البول يوهى الجدار ففيه إضرار ، أو نقول : إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار ، وهو صريح في رواية أبى عوانة في صحيحه . وقيل : يحتمل أن يكون علم إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره أو لكونه مما يتسامح الناس به ، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك ، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره لأنه أولى بالمؤمنين عن أنفسهم وأموالهم ، وهذا وإن كان صحيح المعنى لكن لم يعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه - صلى اللّه عليه وسلم - . قال الحافظ ابن حجر : وأما مخالفته - صلى اللّه عليه وسلم - لما عرف من عادته من الإبعاد عند قضاء الحاجة عن الطرق المسلوكة وعن أعين النظار ، فقد قيل فيه إنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان مشغولا بمصالح المسلمين ، ولعله طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول فلو أبعد لتضرر ، واستدنى حذيفة ليستره من خلفه عن رؤية من لعله يراه ، أو لعله فعله لبيان الجواز . ثم هو في البول أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة تكشف ، والغرض من الإبعاد التستر وهو يحصل بإرخاء الذيل والدنو من الساتر . وروى الطبراني من حديث عصمة بن مالك قال : خرج علينا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في بعض سكك المدينة فانتهى إلى سباطة قوم فقال : يا حذيفة استرنى فذكر الحديث « 2 » . وظهر منه الحكمة في إدنائه حذيفة في تلك الحالة .

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 224 ) في الوضوء ، باب : البول قائما وقاعدا ، ومسلم ( 273 ) في الطهارة ، باب : المسح على الخفين . ( 2 ) انظر « فتح الباري » ( 1 / 329 ) .