الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
698
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وقد روى ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير - أحد التابعين - بإسناد حسن قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ليدركن المسيح أقواما إنهم لمثلكم أو خير ، ثلاثا ، ولن يخزى اللّه أمة أنا أولها والمسيح آخرها » « 1 » . وروى أبو داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة - رفعه - : « تأتى أيام للعامل فيها أجر خمسين » ، قيل : منهم أو منا يا رسول اللّه ؟ قال : « بل منكم » « 2 » وهو شاهد لحديث « مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره » لكن حديث « للعامل منهم أجر خمسين منكم » لا يدل على أفضلية غير الصحابة ، لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة ، وأيضا : الأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل . فأما ما فاز به من شاهد النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - من فضيلة المشاهدة ، فلا يعدله فيها أحد ، ولا ريب أن من قاتل معه أو في زمانه بأمره ، أو أنفق شيئا من ماله بسببه ، لا يعدله أحد في الفضل بعده كائنا من كان ، قال اللّه تعالى : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا « 3 » ، وكذلك من ضبط الشرع المتلقى عنه وبلغه لمن بعده . فمحصل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة ، وقد ظهر أنه فاز بما لم يفز به من لم يحصل له ذلك . وبهذا يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة . ثم إن الصحابة على ثلاثة أصناف : الأول : المهاجرون ، الثاني : الأنصار
--> ( 1 ) مرسل : أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ( 4 / 206 ) و ( 7 / 414 ) . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( 4341 ) في الملاحم ، باب : الأمر والنهى ، والترمذي ( 3058 ) في التفسير ، باب : ومن سورة المائدة ، وابن ماجة ( 4041 ) في الفتن ، باب : قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ من حديث أبي ثعلبة الخشني - رضى اللّه عنه - . ( 3 ) سورة الحديد : 10 .