الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
658
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
الشافعي قدوة يقتدى به ، والمقام مقام اجتهاد ، فلا افتقار له فيه إلى غيره . وأما قوله في « الشفاء » : والدليل على أنها ليست من فروض الصلاة عمل السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه . ففيه نظر ، لأنه إن أراد بالعمل الاعتقاد فيحتاج إلى نقل صريح عنهم بأن ذلك ليس بواجب ، وأنى يوجد ذلك ؟ وأما قوله : وقد شنع الناس عليه - يعنى الشافعي - في هذه المسألة جدّا ، فلا معنى له ، وأي شناعة في ذلك ؟ ولم يخالف فيه نصّا ولا إجماعا ولا قياسا ولا مصلحة راجحة . بل القول بذلك من محاسن مذهبه ، ولا ريب أن القائل بجواز ترك الصلاة على أفضل خلق اللّه في الصلاة التي هي رأس العبادة المطلوب فيها الخضوع واستحضار شارعها والثناء عليه أولى بالتشنيع . وأما نقله الإجماع فقد تقدم ما فيه . وأما قوله : إن الشافعي اختار تشهد ابن مسعود ، فلم يقل به أحد ، والشافعي إنما اختار تشهد ابن عباس كما سيأتي - إن شاء اللّه تعالى - في مقصد عباداته . وقد استدل للوجوب بما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه ، وكذا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد قال : سمع النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - رجلا يدعو في صلاته ، لم يحمد اللّه ولم يصل على النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : « عجل هذا » ، ثم دعاه إليه فقال : « إذا صلى أحدكم فليبدأ بالحمد للّه والثناء عليه ، ثم ليصل على النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ثم ليدع بما شاء » « 1 » . قلت : ومما يعد من كرامات إمامنا الشافعي وسره الساري ، أن القاضي عياضا ساق هذا الحديث بسنده من طريق الترمذي من غير أن يطعن في سنده بعد قوله : « فصل في المواطن التي تستحب فيها الصلاة على النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم -
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه أبو داود ( 1481 ) في الصلاة ، باب : الدعاء ، والترمذي ( 3476 ) في الدعوات ، باب : جامع الدعوات عند النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، والنسائي ( 3 / 44 ) في السهو ، باب : التمجيد والصلاة على النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في الصلاة ، وأحمد في « المسند » ( 8 / 18 ) ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن النسائي » .