الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
644
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
من غاب عنه غلامه بمال عظيم مدة سنين ، حتى أضرّ به العدم ، فقدم عليه من غير انتظار له بماله كله ، وقد كسب أضعافه ، كيف تكون سكرته ؟ ومن أقوى أسباب ما نحن فيه سماع الأصوات المطربة بالإنشادات بالصفات النبوية المغربة المعربة إذا صادفت محلّا قابلا فلا تسأل عن سكرة السامع ، وهذا السكر يحدث عندها من جهتين : إحداهما أنها في نفسها توجب لذة قوية ينغمر منها العقل ، الثانية : أنها تحرك النفس إلى نحو محبوبها وجهته ، فتحصل بتلك الحركة والشوق والطلب مع التخيل للمحبوب وإحضاره في النفس ، وإدناء صورته إلى القلب واستيلائها على الفكرة لذة عظيمة تغمر القلب ، فتجتمع لذة الألحان ولذة الأشجان ، فتسكر الروح سكرا عجيبا أطيب وألذ من سكر الشراب ، وتحصل له به نشأة ألذ من نشأة الشراب . وقد ذكر الإمام أحمد وغيره : أن اللّه تعالى يقول لداود : مجدنى بذلك الصوت الذي كنت تمجدنى به في الدنيا ، فيقول : كيف وقد أذهبته فيقول : أنا أرده عليك ، فيقوم عند ساق العرش ويمجده ، فإذا سمع أهل الجنة صوته استفرغ نعيم أهل الجنة . وأعظم من ذلك : إذا سمعوا كلام الرب جل جلاله وخطابه لهم ، فإذا انضاف إلى ذلك رؤية وجهه الكريم الذي يغنيهم لذة رؤيته عن رؤية الجنة ونعيمها ، فأمر لا تدركه العبارة ولا تحيط به الإشارة ، وهذه صفة لا تلج كل أذن ، وصيب لا تحيا به كل أرض ، وعين لا يشرب منها كل وارد ، وسماع لا يطرب عليه كل سامع ، ومائدة لا يجلس عليها كل طفيلى ، أشار إليه في المدارج . فمن اتصف بهذه العلامات التي ذكرتها فهو كامل المحبة للّه ورسوله ، ومن خالف بعضها فهو ناقص المحبة ، ولا يخرج عن اسمها بدليل قوله - صلى اللّه عليه وسلم - للذي حده في الخمر - لما لعنه بعضهم وقال : ما أكثر ما يؤتى به - فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا تلعنه فإنه يحب اللّه ورسوله » « 1 » ، فيخبر أنه يحب اللّه
--> ( 1 ) مرسل : أخرجه عبد الرزاق في « مصنفه » ( 3552 و 17082 ) عن زيد بن أسلم مرسلا .